تصريحان منمقان يدغدغان المشاعر ، أطلق الأول السيد رئيس الوزراء وفيه قال : إن الرئيس البرهان وافق على إنشاء مدينة السودان الطبية ، لكن إدريس زاد في غير اتساق وضمن الحديث نفسه : إن هذا المشروع الاستراتيجي أسهم في تعزيز صمود القيادة العامة .!؟ أما الثاني فينسب لوزير البنى التحتية والنقل هاشم طاهر طه وفيه أعلن عن اتجاه لإنشاء عاصمة إدارية جديدة .
ظني واسع أن كلا الرجلين ، إنما يسْبحان بلا هوادة في بحر من ( الأماني العذبة) وهي تتراقص حيالهما والأمل بسّام يداعب في خيالهما _ رحم الله الشاعر أبو قطاطي والمغني الرائع خليل إسماعيل _
من شأن هذه التصريحات غير المحسوبة ، أن تفتح الباب للتندر والخوض بلا إكتراث فيما لا يرضي بل ويشين ، لكونها تبتعد مسافة عن الواقع الذي نحن فيه ، إن على مستوى القطاع الصحي في تصنيفه الأولي القاعدي الذي تتقاصر كراع الحكومة عن لحافه .
فإذا كانت الخدمة التي يقدمها المركز الصحي في المدن أو البلدات القصية لا تزال بعيدة عن معايير الجودة والكفاية الضرورية ، فإن حديث إدريس عن مدن طبية عالمية المستوى ، يبقى كمن يبحث عن السلامة بينما هو في الحقيقة يذكّر بالألم والمتاعب التي يشكو منها المريض حين يذهب مستشفيا ولن أعدد هذه المتاعب حتى لا أفسد على الرجل أمانيه العِذاب !
هذا ، وفي السياق قال وزير البنى : إن الخرطوم الحالية تتمدد أفقيا بسرعة فائقة، حتى أصبحت أشبه بـ”القرية الكبيرة”، التي يصعب إقامة مشروعات جديدة فيها في مجال بناء شبكات الصرف الصحي وغيرها من البنيات التحتية، مما يجعل من المهم التفكير في إنشاء عاصمة إدارية جديدة تسهم في فك الاختناقات التي تعاني منها العاصمة الحالية .
إن الوزير بدا لي كأنه يساير في ساعة زهوٍ (رجال فك الاختناقات والتحديث المستمر) في السهر بحثًا عن كل ما له علاقة برفاهية المواطن ، كما هو حال الرجال في القاهرة أو نيروبي أو كيب تاون ، الذين ينخرطون في تنفيذ التحديثات وهم يعلمون أنها ممكنة ، بينما لا شك أنها عند وزيرنا لا تتجاوز مربع الأشواق الزائفة .
إن التعطش للحديث والظهور الإعلامي دون حساب ، سمة قديمة لدى سياسيينا ، وددت لو اختفت في عهد حكومة الأمل ، التي لديها ما يشغلها عن الجعجعة بينما كل شيء متهدم أمام ناظريها .
مع كامل الإحترام والتقدير ، لكن الطريق المعبّد نحو نهضة وشيكة لا يمر عبر الأماني ، وإنما عبر سلسلة متماسكة من القراءة الصحيحة للواقع ثم ضبط الإعدادات وكف الألسن حتى عن الحديث المباح ، فالمتربصون من فوقكم ومن تحتكم . نصيحتي : دعوا أعمالكم تتحدث عنكم .