من التكدس إلى التوقف.. تكرار أزمة الوقود يشل الإنتاج ويُثقل كاهل المواطن

الأحداث – تقرير
بات ازدحام المركبات أمام محطات الوقود منظراً يكرر نفسه في أنحاء العاصمة السودانية، ما إن يختفي حتى يظهر مجدداً.

ومنذ انتقال الحكومة السودانية من عاصمتها الإدارية، بورتسودان، إلى الخرطوم، والأزمات لا تبارح مكانها، وربما هو أمر طبيعي لبلد خارج من أتون حربٍ استهدفت بنيته التحتية بشكل مكثف فأحالت الوضع الاقتصادي إلى مشاكل مزمنة ومستفحلة يزداد عمقها يوماً بعد يوم، لذا فإن أزمات عدم توفر الوقود المتكررة خلال هذه الفترة تحتمل وجهين؛ الأول أنها أزمة طبيعية لبلد يعاني من نقص حاد في إيرادات النقد الأجنبي بما لا يمكنه من استيراد الوقود بشكل كافٍ في ظل متغيرات متجددة تصيب سعر صرف عملته الوطنية أمام العملات الأجنبية، والآخر أن هذه الأزمات المتكررة ربما تكون مفتعلة وشبح طرف ثالث يخيم على الأمر.

تعميق الأزمة:
وعمقت الحرب بوطأة ثقلها على الاقتصاد السوداني، الأزمات المعيشية والاقتصادية، وفي مقدمتها عدم استطاعة الدولة توفير الخدمات والسلع الأساسية وعلى رأسها الوقود.

فبحسب الموجز الإحصائي للتجارة الخارجية لبنك السودان، فإن واردات المنتجات البترولية خلال النصف الأول من 2026 بلغت نحو 1.495 مليار دولار من إجمالي واردات بلغ 4.517 مليارات دولار، أي نحو 33% من إجمالي فاتورة الاستيراد. وداخل هذه الفاتورة بلغ الجازولين نحو 923 مليون دولار، والبنزين نحو 374 مليون دولار.

توقف إنتاج النفط:
وفي ظل توقف شبه كامل للإنتاج النفطي للبلاد بعد الحرب، أضحت هذه الفاتورة تقع على كاهل بنك السودان المركزي. ومع المعطيات الاقتصادية، فإن توفير هذه المبالغ في ظل ارتفاع أسعار النفط تارة وإغلاق مضايق المرور تارة أخرى، بالإضافة إلى الاضطراب في تنظيم عمليات الاستيراد، يعمل على تكرار هذه الأزمات بصورة مستمرة.

توقف عن العمل:
ويقول مصطفى كباشي، سائق ركشة بمنطقة الثورة بأم درمان، إن “أزمة الوقود تسببت في توقفه عن العمل بسبب وقوفه في الصفوف لأكثر من ثلاثة أيام”.

وأضاف في حديثه مع (المحقق): “بعد أن توقفت عن العمل، أصبحت غير قادر على توفير الخبز والخضار لأسرتي، باعتباري المعيل الوحيد لها. وكنت ملتزماً بترحيل ثابت، وبسبب هذه الأزمة وتوقف إمدادات البنزين، ارتفعت التكلفة بشكل كبير”.

وأوضح مصطفى أن تكلفة المشوار التي كانت في حدود 5 آلاف جنيه، أصبحت الآن 10 آلاف جنيه ولا تغطي حتى تكلفة البنزين، علماً بأن سعره في السوق السوداء وصل إلى 80 ألف جنيه، ورغم ذلك فهو غير متوفر.

وأردف قائلاً: “الآن أوقفت الركشة وأفكر في السفر إلى مناطق الذهب لتوفير لقمة العيش لأسرتي”.

معالجة محسوسة:
من جهته، طالب سائق عربة ترحال، هاني محمد، بمعالجة أزمة أسعار الوقود وضمان استمرار عمل محطات الخدمة حتى لا يتعرض المواطنون لأزمات متكررة نتيجة تغيير الأسعار.

وقال لــ”المحقق” إن الأزمة تستمر لثلاثة أو أربعة أيام، يعقبها ثلاثة أو أربعة أيام أخرى من الازدحام الشديد أمام المحطات. ووجه رسالة إلى المسؤولين وأصحاب القرار قائلاً: “أرجو أن تكون هناك معالجة محسوسة، لأن هذه الأزمة تؤذي الكثيرين في مصدر رزقهم، خاصة أن الناس بعد الحرب أصبحوا يعتمدون على رزق اليوم باليوم”.

وأضاف: “أمضيت 8 أيام في صفوف البنزين. نحن نقدر الظروف التي تمر بها البلاد، لكن لا بد من وجود معالجة جذرية للأزمات”.

وأوضح: “مع عدم استقرار سعر صرف الدولار، لا يوجد استقرار في سعر الوقود، والوقوف 8 أيام في الصفوف أمر مؤذٍ جداً. وفروا الوقود، ودعوا الناس تعمل، واجعلوا المحطات تعمل بانتظام”.

صفوف كل شهر:
ويرى المواطن أبو زيد عثمان أن أزمة الوقود بدأت مع زيادة سعر الدولار الجمركي وأسعار المشتقات البترولية، مشيراً إلى توقف بعض المحطات عن البيع.

وكشف عن أن أصحاب المحطات يحتفظون بالكميات الموجودة في الخزانات لحين صدور التسعيرة الجديدة لبيعها بالسعر الأعلى.

وأوضح أن أزمات الوقود والصفوف الطويلة تتكرر بصورة شبه شهرية، وقد تستمر لأكثر من أسبوع.

وقال إن تصريحات رئيس الوزراء بأن الوقود متوفر ولا توجد أزمة، منافية للحقيقة، مضيفاً أن “الأزمة الحالية لم تتكرر في السودان منذ عهد نظام البشير”. وتابع: “رئيس الوزراء وأعضاء حكومته لا يرون صفوف الوقود وهم في طريقهم إلى مكاتبهم”.

تفقد رئيس الوزراء:
و(الأربعاء)، تفقد رئيس الوزراء د. كامل إدريس، وبرفقته وزير الطاقة ووالي الخرطوم، عدداً من محطات الخدمة العاملة بالعاصمة.

وأكد رئيس الوزراء خلال الجولة التفقدية أن الحرب انتقلت من حرب عسكرية إلى حرب اقتصادية، وقال: «الحرب الاقتصادية مقدور عليها».

ووجه إدريس بتزويد محطات وطلمبات الوقود بالمزيد من المواد البترولية، وشدد على ضرورة الإسراع في تزويد المواطنين بالوقود لتفادي التكدس والازدحام، كما حث البنوك على معالجة المشكلات الفنية في التطبيقات البنكية بما يسهم في تسهيل احتياجات المواطنين.

إلا أن المواطن أبو زيد يتابع قائلًا: “إذا كانت الحكومة تؤكد أن الوقود متوفر، فعليها أن تفتح المحطات، وتنشر بيانات الإمداد، وتوضح حجم المخزون، وتعلن الكميات التي تدخل يومياً إلى الخرطوم، وتفسر أسباب توقف المحطات والصفوف بوضوح”.

وطالب الحكومة بضرورة تحمل المسؤولية كاملة وتوفير الوقود المرتبط بشكل مباشر بحياة الناس، وقال: “في حال عجزها عن ذلك، عليها أن تقدم استقالتها بشكل جماعي وتفسح المجال لمن يستطيع إخراج البلاد من الأزمات المتكررة التي أرهقت كاهل المواطن، حتى أصبح لا يستطيع توفير لقمة عيش كريمة لأسرته”.

حصة الوقود:
وبدوره، يقول عامل في إحدى محطات الوقود بالخرطوم، فضل عدم ذكر اسمه، لــ”المحقق” إن المحطة لم تتسلم حصتها من الوقود منذ أكثر من أسبوع كامل، دون أي توضيح من الجهات المختصة المسؤولة عن التوزيع.

وأضاف أن العاملين يأتون كل صباح ويفتحون المحطة، في الوقت الذي يصطف فيه المواطنون أمامها منذ الساعة الرابعة فجرا، ثم يضطرون لإبلاغهم بعدم توفر البنزين، مشيرا إلى أن بعض المواطنين يتفهمون الوضع، بينما يغضب آخرون ويعتقدون أن إدارة المحطة تخبئ الوقود لبيعه في السوق السوداء، وهو ما نفاه بشكل قاطع.

وأكد أن خزانات المحطة فارغة تماماً، وأن عملية التوزيع أصبحت غير منتظمة وغير عادلة، موضحاً أنه عند التواصل مع شركة التوزيع يتم إبلاغهم في كل مرة بمبرر مختلف، فتارة يقال إن الكميات قليلة وهناك تأخير في وصول البواخر، وتارة أخرى يقال إن هناك مشكلة في نظام الدفع والتسعير.

وأشار إلى أن عمال المحطات متضررون بشكل مباشر من هذه الأزمة، حيث يعتمد أجرهم على نسبة المبيعات، وقال: “منذ أسبوع لم نبع لترا واحدا، وهو ما يعني أسبوعا كاملا بلا دخل، وأصبحنا في مواجهة مباشرة مع المواطن الغاضب نتحمل الإساءة والشتائم، بينما القرار ليس بأيدينا”.

وفي المقابل، يؤكد مصدر مطلع بوزارة الطاقة أن الأزمة القائمة الآن هي نتيجة اعتماد المحطات بشكل حصري على تطبيق “بنكك” التابع لبنك الخرطوم، ورفضها استقبال أي تحويلات مالية عبر التطبيقات المصرفية الأخرى.

وأكد في حديثه مع “المحقق” أن التعامل في غالبية الطلمبات محصور على تطبيق “بنكك” فقط، وعدم قبول أي شبكات أو تطبيقات بنكية أخرى، الأمر الذي أحدث تأثيرات سلبية.

وكشف أن عدداً من أصحاب المركبات، بعد وصولهم إلى ماكينة الضخ، يتعثر فتح تطبيق “بنكك” لديهم بسبب الضغط على الشبكة، الأمر الذي يجعله ينتظر زهاء الأربع ساعات متواصلة في موقع التزويد، وهذا يتسبب في إغلاق المسارات وإعاقة حركة السير للمركبات المنتظرة خلفه.

وأكد أيضاً وجود تعقيدات وإشكاليات إدارية متعددة تضاف إلى هذه الإشكاليات.

وأشار إلى أن الحل ينحصر في ضرورة اتخاذ قرارات حاسمة لملء هذه الفجوة عبر تفعيل الربط مع بقية التطبيقات المصرفية الأخرى، إلى جانب إعادة العمل بنظام بطاقات الوقود الذكية لتفادي الضغط على شبكات الاتصالات ولتسهيل وتسريع عمليات الدفع داخل المحطات.

وفي المحصلة، تؤكد الوقائع أن أزمة الوقود في الخرطوم لم تعد طارئة، بل أصبحت أزمة متكررة تكشف عن خلل في الاستيراد والتوزيع وآليات الدفع. وبينما تظل تصريحات الحكومة مطمئنة، يبقى تكدس المركبات أمام المحطات وتوقف وسائل النقل هو المؤشر الحقيقي للأزمة، في انتظار معالجات جذرية تضمن انسياب الإمداد واستقرار التسعير بدلا من الحلول المؤقتة.
نقلا عن موقع “المحقق” الاخباري

↑
Exit mobile version