الأحداث – متابعات
وجد العمل الغنائي المشترك “أنا السودانُ” اهتماما واسعا ، وهو من كلمات الشاعر الليبي فيصل الشريف، ولحن وغناء الفنان التونسي لطفي بوشناق وإخراج المخرج السوداني طارق خندقاوي، ومن إنتاج خندقاوي للإنتاج الفني والإعلامي، العمل الفني الذي يلفت النظر إلى السودان يؤكد أن الفن رابط إنساني يتفاعل مع قضايا الواقع المعاصر
واحتفى خندقاوي بما كتب حسن صالح كنتيباي عن العمل حيث قال : “أعادت اغنية لطفي بوشناق الجديدة عن السودان ذاكرتي مباشرة الى ليلة غنائية في الخرطوم، حين كان بوشناق يردد حينها اغنية (خذوا المناصب والمكاسب لكن خلولي الوطن) وسط جمهور يعرف تماما ماذا يعني ان يترك له الوطن مجرد وطن. لم يكن ذلك مجرد غناء، بل كان موقفا، وها هو اليوم يعود بذات الصرخة، لكن على جرح سوداني مفتوح.
الاغنية الجديدة عن السودان ليست مجرد تعاطف عابر مع مأساة السودان، بل موقف فني واضح، يضع الوطن في مواجهة مباشرة مع تجار الحروب، وسماسرة السلطة، ومن جعلوا السلطة بديلا عن الانسان. صوت بوشناق، كما عرفناه دائما، يخرج محملا بالصدق والغضب النبيل، صوت لا يزين الخراب ولا يجمله، بل يسميه باسمه.
في هذه التجربة، يلتقي صوت بحجم لطفي بوشناق مع رؤية اخراجية شابة ومتمردة، يقودها المخرج طارق خندقاوي، الذي يثبت من خلال هذا العمل انه لا يبحث عن الصورة السهلة ولا عن القوالب الجاهزة. خندقاوي يذهب مباشرة الى جوهر الفكرة، يبتعد عن الزخرفة الفارغة، ويختار لغة بصرية قاسية وصادقة، تليق بوجع السودان، وتنسجم مع نبرة بوشناق العالية.
طارق خندقاوي يمثل جيلا جديدا من المخرجين الذين يتمردون على التقليد، ويؤمنون ان الصورة موقف، وان الاخراج ليس استعراضا تقنيا بل فعل وعي. في هذا العمل، نلمس شجاعة الاختيار، وبساطة التكوين، واحترام عقل المتلقي، دون وصاية او مبالغة.
الاغنية تعيدنا بوضوح الى اغاني لطفي بوشناق القديمة عن فلسطين، الى تلك المرحلة التي كان فيها صوته حاضرا في الذاكرة العربية كصوت للحق لا يتغير بتغير المواسم. نفس النبرة، نفس الانحياز، ونفس القدرة على تحويل الالم الجمعي الى عمل فني خالد. كأن السودان اليوم استدعى فلسطين الامس، واستدعى معها بوشناق الذي لم يغادر هذا الموقع يوما.
وليس غريبا هذا الموقف من فنان مثل لطفي بوشناق، المولود في تونس عام 1954، والمتخرج من المعهد العالي للموسيقى، والمتعمق في المقامات العربية والمالوف التونسي. مسيرته الطويلة لم تكن مجرد تراكم اغنيات، بل مسارا واعيا جمع بين الطرب الاصيل والاغنية الملتزمة، وبين الصوت القوي والموقف الواضح. عرف بدعمه للقضايا العربية، وبغنائه للانسان قبل الجغرافيا، وللوطن قبل السلطة.
اغنيته الجديدة عن السودان تؤكد من جديد ان بوشناق لم يكن يوما مطرب مرحلة، بل مطرب موقف. وان الفن، حين يكون صادقا، لا يشيخ ولا يفقد ضرورته. كما تؤكد ان تلاقي الاجيال، بين فنان كبير ومخرج شاب، يمكن ان ينتج عملا يتجاوز اللحظة، ويستقر في الذاكرة.
هي اغنية تذكرنا ان الاوطان لا تطلب الكثير فقط ان نترك لها ما تبقى منها”.