من أم جرس إلى دارفور.. طرق إمداد المليشيا تعيد أزمة الحدود مع تشاد إلى الواجهة
Mazin
المحقق – سبأ سيف الدين
أعادت الاتهامات التي أعقبت ضربة جوية تلقتها قوات الدعم السريع داخل الأراضي التشادية ملف الحدود الغربية للسودان إلى واجهة الأحداث، لكن الخرطوم تنظر إلى ما جرى من زاوية أوسع من واقعة عسكرية منفردة. فبالنسبة للحكومة السودانية، لا يمكن فصل التوتر الأخير عن خطوط الإمداد العابرة للحدود التي ظلت تغذي المليشيا المتمردة بالسلاح والمعدات والمقاتلين، وهي قضية دفعت بها الخرطوم مرارًا إلى المحافل الإقليمية والدولية.
وفي أول موقف رسمي بشأن الحادث، رفضت وزارة الخارجية والتعاون الدولي تحميل القوات المسلحة السودانية المسؤولية بصورة قاطعة قبل إجراء تحقيق مهني ومستقل، مؤكدة احترام السودان لسيادة تشاد وسلامة أراضيها وحرصه على علاقات حسن الجوار بين البلدين.
غير أن القضية بالنسبة للخرطوم لا تتوقف عند تحديد الجهة التي نفذت الضربة. فالحرب الممتدة منذ أبريل 2023 جعلت من الحدود مع تشاد، ثم لاحقًا المسارات المتصلة بجنوب ليبيا، جزءًا مهمًا من معركة تدفق السلاح إلى دارفور، وهو ما يخالف قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1591 الصادر في 2005.
وما ظلت الحكومة السودانية تطرحه بشأن هذه المسارات لم يعد قائمًا على تصريحاتها وحدها. فقد راكمت السنوات الماضية تقارير لفريق خبراء الأمم المتحدة وتحقيقات صحفية وحقوقية معلومات عن طائرات وقوافل وأسلحة ومقاتلين أجانب تحركوا عبر شبكة إقليمية انتهت أجزاء منها داخل مناطق سيطرة المليشيا المتمردة.
القافلة التي أعادت الملف
جاء التوتر الأخير بعدما قالت السلطات التشادية إن ضربة وقعت داخل إقليم إنيدي الشرقي، وحمّلت القوات السودانية أو قوات متحالفة معها المسؤولية عن تلك الضربة.
وردت الخارجية السودانية بالتشديد على ضرورة التحقق من ملابسات الواقعة قبل توجيه الاتهام، وقالت إن القوات المسلحة تضطلع بمسؤوليتها في الدفاع عن سيادة البلاد وأمنها وسلامة أراضيها.
لكن معلومات ظهرت بالتزامن مع الحادث أعادت النقاش إلى طبيعة التحركات العسكرية في المنطقة الصحراوية الممتدة بين ليبيا وتشاد ودارفور في غرب السودان، وهي المنطقة التي أصبحت خلال الفترة الأخيرة ذات أهمية متزايدة بالنسبة للعمليات العسكرية.
وبحسب الحكومة السودانية وتقارير ميدانية صحفية فإن جزءًا من القوافل التي تتحرك في هذا النطاق يحمل إمدادات عسكرية ولوجستية إلى مليشيا الدعم السريع المتمردة، وهو ما يفسر تكثيف العمليات ضد خطوط الإمداد القادمة من الاتجاهين الغربي والشمالي الغربي لدارفور.
وبالنسبة للجيش والقوات المساندة له، لم تعد هذه القوافل مجرد حركة حدودية، وإنما جزء من القدرة العسكرية للمليشيا على تعويض خسائرها والمحافظة على وجودها في جبهات القتال.
أم جرس.. بداية الخيط
برز اسم أم جرس في شرق تشاد مبكرًا في ملف الإمدادات الخارجية للحرب السودانية.. وفي تقرير صدر في يناير 2024، قال فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالسودان إنه جمع معلومات من مصادر في شرق تشاد ودارفور أفادت بوصول شحنات أسلحة إلى مطار أم جرس، قبل تفريغها وتحريكها في قوافل شاحنات إلى الحدود وتسليمها لقوات الدعم السريع المتمردة.
ووصف الفريق الاتهامات المتعلقة بنقل الدعم العسكري عبر أم جرس بأنها «ذات مصداقية»، وهي نتيجة منحت الاتهامات التي كانت الخرطوم تطرحها بشأن المطار وزنًا دوليًا أكبر.
ومع استمرار الحرب، ظهرت معطيات أخرى عن حركة الطيران إلى المطار، فبحسب ما أوردته هيومن رايتس ووتش في تحقيق موسع نشرته في مايو الماضي، عمل مطار أم جرس، بين منتصف 2023 ومنتصف 2024، كنقطة عبور رئيسية ضمن طريق نقل الأسلحة والمعدات المتجهة إلى قوات الدعم السريع المتمردة. واستندت المنظمة إلى تقارير فريق الخبراء وتحقيقات مفتوحة المصدر ومصادر تحدثت عن طبيعة الحركة الجوية عبر المنطقة.
ولم يكن السلاح وحده ما تحرك عبر الأراضي التشادية، فقد وثقت المنظمة كذلك مسار مقاتلين أجانب كولمبيين انتقل بعضهم من الإمارات إلى نجامينا قبل مواصلة الرحلة إلى نيالا. ونقلت عن متعاقد كولمبي سابق قوله إن مجموعته وصلت العاصمة التشادية ليلًا، ثم انتقلت بعد وقت قصير إلى طائرة أخرى متجهة إلى نيالا.
وبذلك لم يعد الحديث عن طريق واحد لنقل السلاح، وإنما عن بنية لوجستية تشمل المطارات والطائرات والمقاتلين والمعدات ومراكز استقبال داخل السودان.
من تشاد إلى نيالا
تغيرت خريطة الإمداد مع تغير خريطة الحرب نفسها؛ فمع مرور الوقت، تراجعت أهمية أم جرس نسبيًا، بينما برزت نيالا وجنوب ليبيا كنقاط أكثر أهمية في الشبكة. وتشير هيومن رايتس ووتش إلى أن هذا التحول بدأ منذ منتصف 2024، عندما أصبحت تلك المسارات أكثر حضورًا في عمليات دعم مليشيا الدعم السريع المتمردة.
وفي يوليو الماضي، كشف تحقيق لوكالة رويترز تفاصيل أكثر عن هذه الشبكة، فقد تتبع التحقيق شركات مرتبطة بمتعاقد عسكري أمريكي سابق، وطائرات عملت على مسارات بين تشاد وليبيا ومناطق خاضعة لسيطرة المليشيا المتمردة. وأظهرت سجلات الرحلات وصور الأقمار الصناعية وبيانات أخرى أن طائرات مرتبطة بهذه الشبكة ظهرت في مناطق مؤمنة بمطار نجامينا، وتحركت عبر نقاط مرتبطة بمسارات إمداد المليشيا. وأظهر التحقيق أيضًا كيف أصبحت الكفرة في جنوب شرق ليبيا ونيالا داخل السودان عقدتين مهمتين في الشبكة.
وتكتسب هذه التفاصيل أهميتها في ضوء ما شهدته جبهة الفاشر ودارفور عمومًا؛ فاستمرار تدفق المعدات والمقاتلين عبر هذه الطرق منح مليشيا الدعم السريع قدرة على مواصلة عملياتها رغم الضربات والخسائر التي تعرضت لها في جبهات أخرى.
وهو ما يفسر لماذا أصبحت الصحراء الواقعة بين دارفور وليبيا وتشاد نفسها ساحة عمليات، وليس مجرد منطقة عبور خلفية.
السلاح يكشف الطريق
هناك مسار آخر للأدلة لا يعتمد على تتبع الطائرات والقوافل، وإنما على فحص الأسلحة التي ظهرت داخل السودان؛ ففي مايو 2025، نشرت منظمة العفو الدولية نتائج تحقيق فني في أسلحة استخدمتها المليشيا المتمردة، وحددت بينها قنابل جوية صينية موجهة من طراز GB50A ومدافع هاوتزر صينية من طراز AH-4 عيار 155 ملم؛ وتوصلت المنظمة إلى أن هذه الأسلحة أُعيد تصديرها من الإمارات إلى السودان.
وكان أحد أهم الأدلة مدفع AH-4 الذي ظهر ضمن أسلحة خلفتها المليشيا عقب انسحابها من الخرطوم في مارس 2025. وبحسب بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام التي استند إليها التحقيق، فإن الإمارات هي الدولة الوحيدة المعروفة باستيراد هذا الطراز من الصين.
أما قنبلة GB50A، فحددت المنظمة بقاياها من خلال صور لهجوم قرب “المالحة” في شمال دارفور. وأظهرت العلامات الموجودة على الشظايا أنها صنعت في عام 2024.
ورأت العفو الدولية أن النتائج تعزز مجموعة متنامية من الأدلة على وصول دعم عسكري متطور إلى مليشيا الدعم السريع، واعتبرت وجود الأسلحة في دارفور انتهاكًا لحظر السلاح المفروض على الإقليم بواسطة مجلس الأمن الدولي.
وهذه واحدة من النقاط التي تستند إليها الخرطوم في مطالبتها المجتمع الدولي بالانتقال من الحديث العام عن «وقف الدعم الخارجي» إلى ملاحقة شبكات السلاح نفسها: مصدره، وطريقة نقله، والدول التي يعبرها، والجهات التي تستقبله داخل السودان.
المرتزقة جزء من الشبكة
ولا يقتصر الدعم الخارجي الذي ظهر في التحقيقات على الأسلحة؛ فقد وثقت هيومن رايتس ووتش بصورة موسعة انتقال مقاتلين كولومبيين للعمل إلى جانب المليشيا المتمردة، وتتبع التحقيق عملية التجنيد من كولومبيا، مرورًا بمحطات خارجية، وصولًا إلى السودان.
وظهرت أسماء هؤلاء المقاتلين لاحقًا في سياق العمليات في دارفور والفاشر، ما كشف جانبًا آخر من طبيعة الشبكة الخارجية: فإلى جانب السلاح والذخيرة والمسيّرات، أصبحت القوة البشرية الأجنبية نفسها جزءًا من منظومة الإمداد.
وهذا البعد ظل حاضرًا في الخطاب السوداني بشأن التدخل الخارجي في الحرب، خصوصًا مع تحول دارفور إلى مركز رئيسي لمليشيا الدعم السريع المتمردة بعد خسارتها مواقع واسعة في الخرطوم ووسط البلاد.
لماذا أصبحت طرق الإمداد هدفًا؟
مع تغير ميزان العمليات، ازداد تركيز الجيش والقوات المتحالفة معه على قطع المسارات المؤدية إلى دارفور.
وخلال الفترة الأخيرة، أعلنت القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح أكثر من مرة اعتراض أو تدمير قوافل في المحور الصحراوي، وقالت إن بعضها كان يحمل مركبات قتالية ووقودًا ومعدات في طريقها إلى المليشيا.
وتتعامل القوات الحكومية مع هذه العمليات باعتبارها جزءًا من الحرب نفسها. فالقوة التي تفقد مركبات أو ذخائر أو مسيّرات في جبهة القتال يمكنها استعادة قدرتها إذا ظلت خطوط التعويض الخارجية مفتوحة.
ومن هنا اكتسب الطريق الممتد من جنوب ليبيا، مرورًا بالمناطق الصحراوية المتاخمة لتشاد، وصولًا إلى دارفور، أهمية متزايدة في الحسابات العسكرية السودانية.
وهذا السياق هو الذي يفسر حساسية الحادث الأخير.. فالخرطوم لا تريد أن تُقرأ أي عملية في تلك المنطقة بمعزل عن حركة القوافل العابرة للحدود، وتطالب بأن يشمل أي تحقيق في الحوادث الحدودية طبيعة الأهداف ومسارها والجهة التي كانت متجهة إليها، وليس موقع الضربة وحده.
السودان ومجلس الأمن
يمتد الخلاف حول الإمداد الخارجي إلى مجلس الأمن، حيث تسعى الحكومة السودانية إلى وضع شبكات دعم المليشيا في قلب النقاش الدولي بشأن الحرب.
ويخضع إقليم دارفور أصلًا لحظر دولي على السلاح، لكن استمرار ظهور أسلحة حديثة داخل الإقليم أثار أسئلة متكررة حول فعالية تطبيق الحظر الأممي.
وترى الحكومة السودانية ، إن المشكلة ليست غياب القرارات، وإنما عدم تنفيذ الموجود منها ومحاسبة الجهات التي تخرقها.
ولهذا تنظر الحكومة بتحفظ إلى الدعوات التي تتعامل مع الجيش ومليشيا الدعم السريع المتمردة بالطريقة نفسها في ملف التسليح. وتتمسك بأن القوات المسلحة هي المؤسسة العسكرية للدولة، وأن الأولوية ينبغي أن تكون لمنع وصول السلاح والتمويل والمقاتلين إلى القوة التي تقاتل الدولة.
وبالنسبة للسودان، فإن فرض قيود جديدة دون معالجة شبكات الإمداد الخارجية قد لا يؤدي إلى النتيجة المطلوبة، ما دامت طرق نقل السلاح والمعدات إلى المليشيا قادرة على تغيير مساراتها كلما تعرض أحدها للضغط.
الحدود الشرقية تدخل المشهد
تزامن التوتر مع تشاد مع تطور آخر على الطرف الشرقي من البلاد؛ فقد قالت الخارجية السودانية في موقفها الأخير إن البلاد تتعرض لهجمات بطائرات مسيّرة تنطلق من داخل الأراضي الإثيوبية، مؤكدة امتلاكها أدلة على ذلك. وكان الجيش قد أعلن خلال أيام إسقاط عدد من المسيّرات في ولاية النيل الأزرق بعد دخولها من اتجاه إثيوبيا.
كما كشفت رويترز في فبراير الماضي، استنادًا إلى مقابلات وصور أقمار صناعية ومصادر متعددة، عن وجود معسكر سري داخل إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين لصالح مليشيا الدعم السريع المتمردة، وقالت إن الإمارات مولت إنشاء المعسكر وقدمت مدربين ودعمًا لوجستيًا، وفق المصادر التي تحدثت إليها الوكالة.
وهذا التطور يضيف بعدًا آخر للموقف السوداني؛ فالمخاوف التي كانت تتركز لوقت طويل على الحدود الغربية لم تعد محصورة هناك.
بالنسبة للخرطوم ، باتت البلاد تواجه حربًا تتحرك بعض أدواتها عبر حدود متعددة، في وقت تمتد فيه جبهات القتال من دارفور وكردفان إلى النيل الأزرق.
معركة خارج خطوط النار
بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، تكشف خريطة الإمداد جانبًا من أسباب استمرارها. فالسلاح الذي يظهر في دارفور قد يكون بدأ رحلته على متن طائرة هبطت خارج السودان، والمقاتل الذي يظهر في إحدى الجبهات قد يكون مر بأكثر من دولة، والقافلة التي تتحرك في الصحراء قد تقطع مئات الكيلومترات قبل الوصول إلى وجهتها.
وتقدم التحقيقات المنشورة خلال السنوات الماضية أجزاء متفرقة من هذه الصورة. فريق خبراء الأمم المتحدة تتبع مسار أم جرس، وهيومن رايتس ووتش ربطت بين تشاد وانتقال المعدات والمقاتلين، ورويترز تتبعت الطائرات والشركات ومسارات ليبيا وتشاد ودارفور، فيما فحصت منظمة العفو الدولية الأسلحة نفسها وخلصت إلى مصدر إعادة تصدير بعضها.
وهي معطيات تفسر لماذا تتمسك الحكومة السودانية بأن وقف الحرب لا يبدأ فقط من الضغط على الأطراف داخل السودان، وإنما من قطع الطرق التي تمد المليشيا المتمردة بأسباب الاستمرار فيها.
أما الأزمة الأخيرة مع تشاد، فتعيد المسألة إلى نقطة البداية: الحدود بالنسبة للخرطوم ليست مجرد خطوط ينبغي منع القتال من تجاوزها؛ هي أيضًا خطوط ينبغي ألا تتحول إلى ممرات مفتوحة للسلاح والمقاتلين.
ومن هنا يصبح التحقيق في الضربة الأخيرة جزءًا من قضية أكبر. فالخرطوم تريد معرفة ما حدث، لكنها تريد كذلك أن يُطرح السؤال الذي ظلت تكرره منذ بداية الحرب: كيف يمكن مطالبة السودان بإنهاء حرب تظل شرايين الإمداد الخارجي للمليشيا فيها مفتوحة؟
وفي الرؤية الحكومية السودانية، فإن الوصول إلى تسوية مستدامة يبدأ من الإجابة العملية عن هذا السؤال، وتجفيف خطوط السلاح والتمويل والمقاتلين قبل أن تعبر الحدود وتصل إلى ساحات القتال.