“من أحاجي الحرب” عنوانٌ ابتدعه قريبي الدكتور عصمت محمود أحمد، وظل يكتب تحته خاطرات وملاحظات وأخبار، قبل أن تمتد إليه أيادي آخرين من أهالي حوش مارك زوكربيرج، فيجعلون منه عنواناً لمنشوراتهم أيضاً. ويبدو أن مرور الزمن قد أخرجه من الملكية الخاصة إلى المشاع الثقافي والتراث الشعبي فأصبح مبذولاً لكل من هب ودب!
قبل أيام، أجرت الأستاذة منى أبوزيد، الكاتبة الصحفية ومسؤولة الذراع الإعلامي للجامعة الوطنية، حواراً بثّته في الفضاء العام ضمن حلقات “بودكاست الوطنية”، مع البروفيسور سليمان صالح فضيل، العميد السابق لكلية الطب بجامعة الخرطوم، وأحد أبرز الأطباء والعلماء في مجال الجهاز الهضمي والمناظير، وصاحب الإسهامات العلمية والأكاديمية المشهودة دولياً. وتمثل سلسلة “البودكاست” هذه عملاً إعلامياً متميزاً، يندرج في إطار المسؤولية المجتمعية التي تضطلع بها هذه المؤسسة التعليمية الرائدة.
وما إن خرج الحوار إلى الفضاء الإلكتروني وأصبح في حيز المشاهدة العامة، حتى استقبلته عاصفة من ردود الأفعال الحادة، وربما الهوجاء في بعض تجلياتها، من بعض الأطراف تجاه المتحاورين: البروفيسور سليمان فضيل والأستاذة منى أبوزيد. وقد وقفت على نماذج متعددة من الآراء والملاحظات التي حملتها تلك العاصفة، فوجدت فيها ما يتكئ على الموضوعية والرصانة، غير أن الغالب عليها كان الميل إلى الشطط والتطرف، حيث طغى الانفعال على ميزان العقل والحجة!
البروفيسور سليمان صالح فضيل ينحدر من قبيلة الرزيقات، وهي القبيلة التي ينتسب إليها العدد الأكبر من أجناد قوات الدعم السريع التي اجتاحت ولايات شمال السودان، وارتكبت من أعمال القتل والنهب والاغتصاب والانتهاكات المروعة ما يندى له الجبين، ويأباه الضمير الحر، وتمجه الفطرة السليمة. وقد شاهد الناس، في تسجيلات مصورة وخطابات علنية، عدداً من النظار والزعماء الأهليين من تلك القبيلة وهم يحرضون الشباب على القتل والنهب. كما تابعوا، في ذهول، مشاهد احتفاء الأمهات بالعائدين من أبناء القبيلة، يستقبلنهم بالزغاريد ويفرشن لهم النمارق، وهم يحملون لهن الأموال والمقتنيات المنهوبة، والذهب والمجوهرات التي انتزعوها من معاصم ونحور النساء في شمال السودان!
لا بأس أن نضيف هنا، استكمالاً لإحكام الأنشوطة حول عنق البروفيسور سليمان صالح فضيل، أنه شقيق اللواء عصام صالح فضيل، أحد أبرز قادة قوات الدعم السريع. ثم نمضي في مرافعة الادعاء فنورد أن روايات متضاربة شاعت في الأيام الأولى للحرب تحدثت عن إصابة قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو في قصف جوي، وأنه تلقى العلاج في مستشفى شرق النيل تحت إشراف البروفيسور فضيل. كما ننبه الى ما ذاع وقتها من أن مستشفى فضيل في الخرطوم حظي بحراسة وحماية كاملتين من قوات الدعم السريع، فلم يلحق به ما لحق بغيره من المستشفيات والمنشآت من دمار وأذى.
لا أعتقد أن الآية الكريمة: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ تكفي وحدها لمواجهة هذه الغيوم المتراكمة بعضها فوق بعض. لذلك، لا بد في إطار سعينا إلى تحقيق قدرٍ من التوازن، من مزيدٍ من التحري والاستنطاق. فمن خلال ما قاله البروفيسور فضيل في الحوار الذي بُثّ للعلن، وما أفصح عنه في حديثٍ خاص لم يُنشر، يمكن الوقوف عند عددٍ من النقاط المهمة، من بينها:
1/ البروفيسور فضيل شخصية مدنية ومهنية، يعمل أستاذاً جامعياً وطبيباً، ويستثمر في مجال الخدمات الطبية والعلاجية. وهو لا يمارس العمل السياسي، ولا يُعد شخصية عامة بالمعنى السياسي، كما أنه لا يمثل قبيلة الرزيقات، ولا يمكن تحميله مسؤولية ما يصدر عن كل أو بعض أفرادها.
2/ كون شقيقه اللواء عصام فضيل قد اختار المسار الذي اختاره، لا ينبغي أن يلقي بظلاله عليه أو يجعله مسؤولاً عن أفعال غيره. والحكم في ذلك هو ما قرره الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا.اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾.
3/ شأنه شأن مئات الآلاف من السودانيين، وبرفقة كثير من الأصدقاء والجيران، جمع البروفيسور فضيل أفراد أسرته في الأسبوع الأول من اندلاع الحرب، وغادر الخرطوم إلى مصر عبر معبر أرقين.
4/ ليس صحيحاً أن قوات الدعم السريع وفرت حماية لمستشفى فضيل؛ فالمستشفى بقي في موقعه، وأصابته، كسائر المؤسسات والممتلكات في المنطقة، أعمال النهب والتخريب والدمار.
5/ عندما انتشرت شائعة تفيد بأن حميدتي يتلقى العلاج في مستشفى شرق النيل تحت إشراف البروفيسور فضيل، كان الأخير خارج السودان، نازحاً في القاهرة، الأمر الذي ينفي تلك الرواية من أساسها.
بقيت نقطة استوقفتني ذكرها البروفيسور فضيل في حديث خاص، إذ قال إنه عندما تكاثفت سحب الشائعات حوله وحول مواقفه وهو خارج البلاد، بادر إلى التواصل مع عدد من كبار الصحافيين والإعلاميين السوادنة مستشيراً إياهم في ما ينبغي أن يتخذه من موقف إزاء تلك الحملة. وقد أجمعوا جميعاً على نصحه بتجاهل ما يُثار بشأنه، وعدم الانجرار إلى الردود أو التصدي له إعلامياً. واللافت أن هؤلاء جميعاً من خيرة الإعلاميين المعروفين بدعمهم للجيش ولمعركة الكرامة.
ثم ماذا بعد؟!
في حواره مع الأستاذة منى أبوزيد، أدان البروفيسور فضيل عدوان قوات الدعم السريع بعباراتٍ قاطعة، كما أدان موقف شقيقه المنشق عن الجيش. وانتقد كذلك، ورفض بشكل واضح، شعارات الدعم السريع وحلفائهم المدنيين المتعلقة بـ”دولة 56”، ولا عجب فقد بنى الرجل مجده الشخصي والعلمي في مؤسسات دولة ٥٦، وصار فيها علماً من اعلام الطب والعلم. وتلك مواقف تتسم بوضوحٍ شديد، وإن كان كثير من الغاضبين قد أخذوا عليه تأخره في الجهر بها والإعلان عنها. والفرنجة يقولون: أن تأتي متأخراً خيرٌ من ألا تأتي!
ثم نقول نحن وبالله التوفيق: إن الحوار المطوّل متعدد الحلقات الذي أجرته الأستاذة منى مع البروفيسور فضيل، بما يكتنزه من شهادات حيّة ورؤى موثقة، لا يقدّم مجرد سردٍ لحوار، وإنما يُعدّ وثيقةً غراء للتاريخ الاجتماعي وتاريخ التعليم العام والطبي في السودان على امتداد ما يقرب من ثمانية عقود. كما يفتح نافذةً واسعة على تحوّلات المجتمع ومؤسساته عبر هذا الامتداد الزمني الطويل، مما يجعله مادةً مرجعية ذات قيمة تاريخية ومعرفية رفيعة.