كتب : عثمان شيخ الدين عكرة
ليس من السهل الكتابة عن منصور خالد دون الوقوع في فخين جاهزين: فخ التقديس بوصفه “عقل الدولة”، أو فخ التخوين بوصفه “مهندس الانفصال”. والحقيقة أن الرجل أخطر – وأعمق – من هذين التبسيطين. منصور خالد لم يكن مجرد مفكر، بل ظاهرة نخبويّة تكشف عطب العقل السوداني حين يُجرَح، ويُقصى، ثم يُطلق بلا كوابح أخلاقية.
منصور خالد كان عقلًا لامعًا في بيئة سياسية لا تحب العقول، ونخبة لا تغفر التفوق. منذ البدايات، اصطدم بجدار الطائفية، والشللية الحزبية، والزعامة الوراثية. لم يُحتضن، ولم يُستوعب، بل نُظر إليه باعتباره دخيلًا: أكثر معرفة مما ينبغي، وأقل خضوعًا مما يُحتمل. وهنا بدأ الشرخ: عقلٌ استُهين به، فقرر أن يثأر بطريقته.
بدل أن يحوّل نقده للنخبة إلى مشروع إصلاح وطني طويل النفس، اختار الطريق الأقصر والأخطر: التحالف مع السلطة أو مع من يحمل المطرقة. من نميري إلى الحركة الشعبية، لم يكن منصور خالد تابعًا، بل كان عقلًا يبرر، ويؤطر، ويمنح الفوضى لغة أنيقة. وهنا تكمن الخطيئة الكبرى: حين يُموَّه الهدم بالعقلانية، ويُقدَّم التفكيك بوصفه ضرورة تاريخية لا خيارًا سياسيًا قابلًا للنقاش.
مشكلته لم تكن في تشخيص أزمة الدولة السودانية؛ في هذا كان محقًا في كثير من الأحيان. المشكلة أنه فقد الإحساس بالخط الأحمر: متى يتحول النقد إلى قطيعة مع الفكرة الوطنية نفسها؟ متى يصبح الضغط على المركز تمهيدًا لانفجار الكيان لا لإصلاحه؟ العقل البارد قد يرى الوطن “بنية مختلة”، لكنه حين لا يرى فيه رابطة أخلاقية، يصبح مستعدًا للتضحية به على مذبح التحليل.
في خطاب منصور خالد، بدا السودان أحيانًا كأنه تجربة فاشلة يجب تفكيكها، لا بيتًا مكسورًا يحتاج ترميمًا. كان يتحدث عن الدم بوصفه “تكلفة انتقال”، وعن الصراع بوصفه “مخاضًا تاريخيًا”. وهذه لغة خطيرة حين تصدر من مثقف لا يعيش نتائجها اليومية. الذكاء هنا لا ينقذ، بل يبرر.
هل كان خائنًا؟ السؤال في حد ذاته كسول. الأخطر أنه كان مفكرًا بلا انتماء جمعي راسخ. لم يعمل من داخل كتلة اجتماعية، بل من داخل ذاتٍ مثقلة بالخذلان. وحين يعمل المفكر من جرحه الشخصي لا من ضمير جماعي، تتحول أفكاره – مهما كانت براقة – إلى أدوات تصفية حساب مع المجتمع.
منصور خالد ليس شيطانًا ولا قديسًا. هو درس قاسٍ في تاريخنا الحديث:
درس يقول إن العقل حين ينفصل عن الحس الوطني، وحين يكره بيئته، قد يبرر خرابها باسم التقدم.
ويقول أيضًا إن النخبة التي تُقصي العقول المختلفة، تصنع أعداءها بأيديها.
في النهاية، لم يهزم منصور خالد السودان وحده، ولا صنع مآسيه بمفرده. لكنه ساهم – بذكاء وبلاغة – في شرعنة مسار التفكك. وهذه مسؤولية فكرية لا تسقط بالتاريخ ولا تُغفر بجمال اللغة.
هو تحذير أكثر منه نموذجًا.
تحذير من مثقفٍ ظن أن الهدم مرحلة ضرورية… فاكتشفنا متأخرين أنه كان هدمًا بلا عودة.