مقال مناوى وهو يرد على الواثق كمير

العزيز الدكتور الواثق كمير،
أولاً، أعتذر عن عدم تواصلي معك منذ فترة. وليس لذلك سبب موضوعي أو موقف بعينه، وإنما هي تفاصيل الانشغالات التي تتراكم هنا وهناك، حتى يجد الإنسان نفسه بعيداً عن التواصل مع بعض الأصدقاء والزملاء الذين يعتز بهم.
قرأت ردك على ما ورد في مقابلتي مع صحيفة «أفق جديد»، وأقدر اهتمامك بالرد والتوضيح. وربما، مع كامل احترامي، لم تكن قراءتك للمقابلة كاملة، أو ربما اكتفيت بالعناوين البارزة أو بالملخص، ولذلك بدا لك أنني أرفض دور اللجنة أو أعترض على مبدأ وجودها. وهذا ليس ما قصدته.
وللتوضيح، أود أن أضع أمامك بعض النقاط:
أولاً: مسألة «الشخصيات المستقلة» و«الشخصيات الوطنية».
اعتراضي لم يكن على الأشخاص الذين اختيروا للجنة، ولا على مكانتهم أو نزاهتهم. بل على العكس، أنت وجميع من أعرفهم عن قرب في اللجنة محل احترام وتقدير كبيرين عندي، ولو خُيرت في اختيار شخصيات لمثل هذه المهمة، لاخترت عدداً كبيراً منكم.
لكن في تجربتنا السياسية السودانية، ومنذ بدايات السياسة السودانية الحديثة بعد سقوط دولة الخليفة، أصبحت بعض المفردات تتكرر بصورة تفقدها كثيراً من معناها، ومن بينها تعبيرات مثل «شخصية وطنية» و«شخصية مستقلة» و«شخصية قومية». وأخشى أن تتحول هذه المفردات، من حيث لا يقصد أصحابها، إلى مجرد عبارات لإعادة تدوير المياه السياسية نفسها.
أنتم، كما أعرفكم، لستم بلا رؤى أو مواقف سياسية. وقد تكونون، بالمعنى التنظيمي، غير ممثلين لأحزاب أو حركات بعينها، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنكم بلا توجهات أو قناعات سياسية. ولذلك قلت إن وصفكم بأنكم «شخصيات مستقلة» لا يخدم بالضرورة فكرة اللجنة، بل قد يخلق لدى بعض المستمعين والفاعلين السياسيين شكوكاً أو عدم ارتياح، لأن العبارة نفسها أصبحت مكررة في الخطاب السياسي السوداني.
وكان يمكن، في تقديري، تجاوز كثير من سوء الفهم لو سبقت إعلان اللجنة مشاورات أوسع مع القوى السياسية والمدنية، وتوطئة للأرضية السياسية، حتى لا تحدث صدمات نتيجة سوء الفهم منذ البداية.
ثانياً: هل قلت إن الشخصيات المستقلة لا تستطيع أن تقوم بأي دور؟
لا.
ما قلته إن الحوار السياسي نفسه لا تقوده أو تديره الشخصيات المستقلة، لأن الحوار في نهاية الأمر حوار بين قوى سياسية ومجتمعية ومدنية لها مواقف ومصالح ورؤى مختلفة.
وأنا أفهم أنكم تقدمون أنفسكم، كما ذكرت في مؤتمركم الصحفي، باعتباركم أرضية أو جهة لتهيئة الأساس للحوار.
وهذا تحديداً ما لا أعترض عليه.
بل إن ملاحظتي كانت بمثابة تنبيه مبكر حتى لا تتحول اللجنة، مع مرور الوقت، من جهة لتهيئة الأرضية إلى جهة تفرض نفسها على مسار الحوار أو تستمر في إدارة تفاصيله من دون أخذ آراء القوى السياسية والمدنية بصورة موسعة، ومن مختلف أنحاء السودان.
لذلك فإن عبارتي لم تكن رفضاً لفكرة التهيئة، وإنما كانت إنذاراً من احتمال أن تتجاوز اللجنة الدور الذي أعلنت أنها ستقوم به.
ثالثاً: مسألة أن الحوار قد يقود، من حيث لا نقصد، إلى تكريس الانقسام.
ربما هنا أيضاً حدث سوء فهم لمقصدي.
أنا لم أقل إن اللجنة دعت إلى تقسيم السودان، ولم أقل إنها اعترفت بسلطة سياسية موازية، ولم أقل إنها تريد حواراً منفصلاً بين مناطق سيطرة هذا الطرف أو ذاك.
ما قصدته هو أنه إذا استمر الحوار في تناول القضايا الجوهرية بهذه الطريقة، وفي ظل الظروف العسكرية والسياسية الحالية، فإن أعداء السودان، ومليشيا الدعم السريع على وجه الخصوص، قد يستغلون ذلك لخلق أمر واقع سياسي وجغرافي جديد.
وهم، أصلاً، يسعون إلى إيجاد المبررات التي تمكنهم من تثبيت مثل هذا الأمر الواقع. وبالتالي فإن المسألة ليست مرتبطة فقط بما إذا كنا نحن نعترف بهذا الواقع أو لا نعترف به؛ فالوقائع السياسية والعسكرية أحياناً تُفرض على الأرض ثم يصبح التعامل معها أمراً واقعاً.
والأمثلة كثيرة في منطقتنا. فالليبيون لم يكونوا بالضرورة يعترفون بالتقسيمات التي نشأت على الأرض، وكذلك اليمنيون لم يختاروا بالضرورة الوضع الذي انتهوا إليه، لكن ظروف الحرب والصراع والتعامل السياسي معها ساهمت في إنتاج أوضاع جديدة.
لذلك كان تحذيري من احتمال استغلال مسار الحوار في إنتاج أمر واقع، وليس اتهام اللجنة بأنها جاءت لتصنع الانقسام.
رابعاً: موقفي من الحوار نفسه.
أريد أن أؤكد لك أنني مرتاح لإعلان الحوار في هذا الوقت، وأعتبر أن مجرد فتح الباب للحوار خطوة مهمة.
وقد ظللت أقول ذلك حتى في الفترات التي كان فيها كثيرون يرون أن الحديث عن الحوار في ذلك الوقت غير ممكن أو غير مسموح به سياسياً.
لكن ما أطلبه منكم ومن غيركم هو أن يكون ما يجري الآن تمهيداً للحوار، لا بداية مباشرة لطرح كل القضايا الأساسية التي تمثل عمود الحوار نفسه.
فالتهيئة، في رأيي، ينبغي أن تسبق الدخول في القضايا الكبرى، وأن تشمل التشاور مع القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، والاتفاق على المبادئ والشروط والضمانات، حتى يصبح الحوار نفسه أكثر جدية وأوسع قبولاً.
وأنا لا أختلف معك في أن الحوار يحتاج إلى بناء الثقة، وإلى ضمانات، وإلى انفتاح إقليمي ودولي، وإلى مشاركة واسعة. بل هذه تحديداً من الأسباب التي تجعلني أرى ضرورة التمهيد الجيد قبل الدخول في القضايا الأساسية.
وأخيراً،
أرحب بكم وأقدر دوركم، وأنصحكم بأن تبدأوا من الآن حواراً مباشراً وواسعاً مع القوى السياسية والمدنية المختلفة.
وكنت أتمنى، بصراحة، أن يحدث قدر من هذا التشاور قبل انعقاد المؤتمر الصحفي والإعلان عن اللجنة، لأن ذلك كان يمكن أن يزيل كثيراً من الشكوك وسوء الفهم الذي حدث.
ومع ذلك، لا أرى غضاضة في أن أطرح ما أراه من وجهة نظري، حتى وإن كنت أدرك أنني أعبر عن رأي شخصي قد لا يغير مسار الأمور. فالاختلاف في الرأي، في تقديري، لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة، وإنما يمكن أن يكون وسيلة لتصحيح المسار وتقليل المخاطر.
وأكرر لك أن ملاحظاتي ليست رفضاً للحوار، ولا رفضاً للجنة، ولا تشكيكاً في الأشخاص الذين اختيروا لها، وإنما هي محاولة للمساهمة في أن تنجح الفكرة وتؤدي الغرض الذي أعلنتموه لها.
ولك مني كل الاحترام والتقدير.
مني أركو مناوي

Exit mobile version