مقاربة الأمن والتنمية في جنوب القوقاز

أنس الطيب الجيلاني

تعرف منطقة جنوب القوقاز ( (South Caucasus) بأنها المنطقة الواقعة ضمن الحدود السياسية والجغرافية لدول جورجيا وأرمينيا وأذربيجان , ويعتبر أقليم جنوب القوقاز جزء من الفضاء الأوراسي ( Eurasia)، ولهذه المنطقة جذور تاريخية ومتشابهات ثقافية ودينية وتاريخية مشتركة .
وتكمن الأهمية الأستيراتيجية لجنوب القوقاز لموقعها الجيوسياسي الحاكم ،حيث يشكل الأقليم حلقة الوصل بين دول اَسيا الوسطى وأوربا ووقوع بحر قزوين (Caspian sea)والبحر الأسود في إمتدادات الاقليم والذي تمر عبره التجارة الخارجية والعالمية إلى تركيا مروراً لدول الأتحاد الأوربي حيث يبلغ حجم الواردات حوالي ٤٥ بليون دولار وحجم الصادرات نحوا من ٣٥ بليون دولار ولعل هذه الأرقام تعكس حجم الأهمية والتأثير والثقل السياسي والاقتصادي لإقليم جنوب القوقاز ، هذا إضافة للنشاط التجاري لشركات القطاع الخاص لدول مثل كازاخستان وقيرغستان وأوزبكستان كما يمثل الممر التجاري إمتداد لمخطط طريق الحرير الصيني المستقبلي والذي سيربط الصين بأوربا ،وأقليم جنوب القوقاز أقليم غني و زاخر بالمكنونات الطبيعية والأمكانات الأقتصادية من نفط وغاز وغذاء حيث تعتبره أوربا إحدى الخيارات البديلة للغاز الروسي الذى كان يمر عبر الممر الشمالي (North stream) للقارة الأوربية ،والذي إنحسر وتأثر تأثرا ملحوظا نتيجة لإندلاع الحرب الروسية الأوكرانية وإلتهاب منطقة الدونباس نتيجة لهذا الصراع ، إضافة لما اَحدثته الضغوط والمقاطعة الأمريكية والأوربية على روسيا .
ممر زنغزور شريان للتنمية أم طريق للمخاوف
منذ الإعلان عن مخطط أنشاء ممر زنغزور، هذا الممر الذي يربط أذربيجان بتركيا عبر الاراضي الأرمينية ويحظي هذا الطريق باهتمام و دعم كامل من الحكومة التركية باعتباره ممر حيوي واستراتيجي متعدد الأغراض ، إلا أن هذا الممر أثار المخاوف الروسية والإيرانية وأصبح عنصر قلق للدولتين ، ومن المأمول أن يصبح هذا الممر شرياناً للتنمية والسلام وإعمار للمدن والاقاليم خاصة تلك الأقاليم والتى تأثرت بنيتها الاساسية من جراء الحرب التي دارت بين أذربيجان وأرمينيا والتي إمتدت نحو ثلاث عقود حول أحقية السيادة على أراضي إقليم كراباخ والتي أنتهت بنصر كبير للقوات المسلحة الأذرية علي ارمينيا فيما عرف بحرب ال 44 يوماً في العام 2020م.
ومبعث القلق والمخاوف الأيرانية تكمن في تأثير ممر زنغزور على حركة إنسياب التجارة الدولية العابرة بين إيران وأرمينيا والتي كانت تعد أهم الطرق الرئيسية وشرياناً حيوياً لأيران كما إزدادت مخاوف إيران نتيجة للتقارب وتبادل العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل وأذربيجان ،وقبل التوقيع على إتفاق السلام بين أذربيجان وأرمينيا كانت إيران تتحالف مع أرمينيا كدولة حبيسة بين دولتين هما أذربيجان وتركيا ،وعدم وجود منفذ مائي لها إلا عبر الحدود براً مع إيران، وقد عادت العلاقات بين اذربيجان وأرمينيا بعد التوقيع على إتفاق السلام وبدأت أرمينيا تستقبل الصادرات الأذرية بما فيها تزويدها بالنفط الأذري من بحر قزوين .أما المخاوف الروسية فهي معلومة تاريخيا وذلك نتيجة لأنحسار نفوذها السياسي على الدول التي كانت يوماً ما جزء من الأتحاد السوفيتي العظيم وأصبحت لدول إقليم جنوب القوقاز إستقلالية في القرار السياسي وعلاقات مزدهرة مع الغرب والولايات المتحدة الأمريكية خاصة بعد الحرب الروسية والأوكرانية والحرب الروسية الجورجية والتي إستعادت فيها روسيا أوسيتا الجنوبية بعد حرب خاطفة ، كما أن أرمينيا لديها مآخذ على الموقف الروسي تجاه الحرب الأذرية الأرمينية فوق إقليم كراباخ حيث كانت أرمينيا تأمل في التدخل الروسى لصالحها بحسبان وجود قاعدة عسكرية روسية بأرمينيا ، وقد أعلن الرئيس ترمب عن تبني الولايات المتحدة والتكفل بأنشاء مسار ترمب الدولي للسلام والأزدهار (Trump route for peace and prosperity)
وتكمن أهمية مسار ترمب فى أنه يربط الأراضي الأذربيجانية من ناحية الجنوب بجمهورية نخجوان الأذربيجانية، ويبلغ طول هذا المسار الذي تكفل بأنشائه الرئيس ترمب نحو 32 كيلو متر مربع ، ليعبر اللسان البري الأرميني داخل الحدود الأذربيجانية ،وتعتبر جمهورية نخجوان أراضي تحت السيادة الأذربيجانية وتتمتع بالحكم الذاتي ولها مجالس منتخبة ،ونخجوان حسب التعبير الشائع للكلمة تعني (أرض نوح) ويقال أنها مأخوذة من اللغة الفارسية القديمة حيث ناخ تعني (نوح) وجيفان تعني (الأرض)، وقد ساهم الأعلان عن مسار ترمب ، خلال حفل التوقيع علي أتفاق السلام بالبيت الأبيض في 8 أغسطس الماضي 2025م بين الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف والرئيس الأرمينيي نيكول باشنيان ، من زيادة المخاوف الأيرانية والروسية والصينية نتيجة لزيادة النفوذ الأمريكي في منطقة جنوب القوقاز ولتقاطع المصالح بين الدول العظمي الأمر الذي يحتاج لسياسات حكيمة للمحافظة على التوازن الأقليمي والمساهمة في دعم التنمية وتحقيق الأمن بين دول الأقليم وخاصة أهمية التعاون بين دول منظمة الدول التركية (Organization of Turkic States) والتي أنشأت في العام 2009م ومقرها بأستانبول والتي تضم اهم الدول المؤثرة بالأقليم وهي تركيا وأذربيجان وأوزبكستان وقيرقستان وكازاخستان وتركمانستان، وتتمتع كل من هنغاريا وتركمانستان وقبرص الشمالية بصفة المراقب .
ورغم الأهمية الاستراتيجية لمنطقة القوقاز وتأثيراتها الكبيرة علي المنطقة والإقليم وحركة التجارة القارية العابرة إلا أن لضمان تحقيق الاستقرار والتوازن لابد من مقاربة أمنية شاملة توازن بين التعاون والعمل المشترك ومخاطبة المخاوف بتحقيق سياسات متوازنة ومتعددة الاتجاهات تضمن الامن للجميع وتعزز من الفوائد الاقتصادية والتي تساهم في أمن وإستقرار المجتمعات

Exit mobile version