تقارير

مقابلة مع تاجر في سوق دار مالي: سوق ذهبٍ نامٍ على ضفة النيل

مع محمد ميرغني، تاجر الذهب في سوق دار مالي، شماليّ عطبرة بولاية نهر النيل، تطلّ «أتَـر» على واحد من أهمّ الأسواق التعدينية في السودان، لتقرأ مشهد الذهب من داخله؛ من قلب الطواحين، ومن حركة التجّار والمعدّنين التي لا تهدأ طوال اليوم.

نُحاول في هذه المقابلة فتح نافذة على تفاصيل هذا السوق الحيوي، وفهم موقعه في الدورة الاقتصادية، وكيف انعكس نشاط التعدين الأهلي ومُعالجة الخام على حياة السكّان في المنطقة ومحيطها، كما نتناول التحديات التي يُواجهها العاملون فيه، بين هوامش الربح المُتقلبة، ومخاطر التلوّث، وتعقيدات التشغيل اليومي. صِفْ لنا سوق دار مالي؟

إنه مركز تجاري وخدميّ متكامل، وتوجد به مراكز صحية وصيدليات، إضافة إلى مركز شرطة وشرطة التعدين والأمن الاقتصادي، إلى جانب الحمّامات والمطاعم ونوادي المشاهدة ومغاسل الملابس، وتنتشر فيه أجهزة ستارلينك بما يضمن توفر خدمة الاتصال، ما يجعل مختلف الخدمات الأساسية متاحةً داخل السوق.

ومنذ دخولك عبر البوابة الرسمية تمرّ أولاً بمنطقة الطواحين، حيث يمتدُّ السوق على مساحة واسعة تضمُّ طواحين الذهب وشركات التعدين، إضافة إلى محلات بيع المواد المستخدمة في الاستخلاص مثل الثيوريا والأسمنت والكربون النشط. ويضمُّ السوق أسواقاً فرعية مثل السوق الشرقي والسوق الغربي، غير أنّ سوق التجّار يظل الأكبر، وجميعها تندرج تحت مسمّى واحد هو «سوق دار مالي».

ويقوم نشاط السوق في الأساس على طواحين الخام «الكرتة» لاستخلاص الذهب باستخدام السيانيد أو غيره من الطرق، إلى جانب الورش والخدمات المُساندة للمُعدّنين الأهليين، وتنتشر الدكاكين والمحال التي تبيع المدخلات من وقود وقطع غيار ومواد استخلاص، وتقدّم خدمات الإعاشة والنقل، ليشكّل السوق نواةَ مركز عمراني وتجاري مرتبط بالتعدين، فضلاً عن كونه مصدر إيرادات مهمّاً لحكومة ولاية نهر النيل عبر الرسوم والعوائد المرتبطة بتنظيم نشاط الطواحين والتعدين الأهلي.

انتقلت مصفاة الذهب إلى عطبرة عقب الأضرار التي لحقت بمصفاة الخرطوم، كيف انعكس ذلك على حركة البيع والشراء في السوق؟

المصفاة ليست العامل الحاسم في حركة البيع والشراء داخل السوق، وهي ما زالت تحت أعمال التأهيل ولم تَدخل بِطَاقتِها التشغيلية الكاملة بعد. أما عمليات البيع فتجري عبر الشركة السودانية للموارد المعدنية، التي تُعلن أسعارها للتداول في منتصف اليوم. غير أنّ عدداً من التجار يُفضِّلون عدم البيع للشركة، ويرتبط ذلك بإجراءات الفحص داخل المعامل التابعة لها، ولا يُعتدُّ دائماً بنتائج ما يُعرف محلياً بـ«الشِّشْنَة». ما هي الفروقات بين تسعير الذهب القادم من التعدين الأهلي (الكرتة) والذهب الذي تنتجه الشركات المُنظَّمة؟

لا توجد فروقات كبيرة بين تسعير ذهب الشركات المنظمة وذهب المعدّنين الأهليّين، فآلية تحديد السعر في نهاية السلسلة تخضع لمعادلة واحدة مرتبطة بسعر البورصة اليومي. تكون البداية من أصحاب المناجم والآبار الذين يجلبون الحجر الخام إلى طواحين دار مالي. وتُفرض رسوم على كلّ شوال حجر، تُدفع للجهة المشغّلة، وقد ارتفعت هذه الرسوم من 7 آلاف جنيه إلى 15 ألفاً، ثم 20 ألفاً، حتى استقرّت حالياً عند 25 ألف جنيه للجوال. وبذلك فإن 100 جوال تَعني رسوماً تبلغ 2.5 مليون جنيه قبل الدخول في مرحلة الطحن. بعد ذلك يُسلَّم الحجر إلى إحدى شركات الطواحين، حيث تجري عملية الطحن واستخلاص الذهب. وبعض الشركات تَعمل بنظام النسبة من الإنتاج، وأُخرى بنظام الإيجار المُباشر مُقابل الخدمة.

المرحلة التالية، هي المعمل لإجراء «الشِّشْنة» وتحديد العيار بدقة، ثمّ الانتقال إلى التجّار لإتمام البيع. التاجر لا يشتري بالوزن المُجرّد، وإنما يَعتمد معادلةً حسابيةً تأخذ في الاعتبار وزن القطعة ودرجة نقائها. فعلى سبيل المثال، إذا كان الوزن 112 جراماً، ونتيجة الشِّشْنَة 890 سهماً، يجري احتساب القيمة بقسمة 890 على العيار الصافي 875 (وهو معيار عيار 21)، ثمّ ضرب الناتج في سعر اليوم المعلن. والسعر المرجعي واحد وهو سعر البورصة، بينما تختلف التكاليف التشغيلية السابقة للبيع بين التعدين الأهلي والشركات المنظمة، دون أن ينعكس ذلك بفارق جوهري في معادلة التسعير النهائية.

هل توجد آلية واضحة لدمغ وفحص العيارات داخل السوق، أم يُعتمَد على معامل خارجية؟

سوق دار مالي سوق متكامل وكبير للغاية، يضمّ فروع الطواحين بمختلف أنواعها، سواء أكانت طواحين مائية أم جافّة. وكما أشرتُ سابقاً، تبدأ الدورة منذ إحضار الحجر الخام، مروراً بمراحل الطحن والمعالجة، وصولاً إلى عمليات الفحص والتقييم ثمّ البيع للتجّار. وتوجد داخل السوق معامل مُتخصِّصة لإجراء الفحوصات وتثبيت العيارات وفق إجراءات مُتعارَفٍ عليها بين المُتعاملين. سلسلة العمل مُتّصلة داخل نطاق السوق، من تحديد العيار إلى إتمام عملية البيع، دون الحاجة إلى نقل المنتج إلى خارج السوق لإكمال هذه المراحل.

كيف تؤثّر تقلّبات سعر الصرف في السوق الموازي على نشاطكم اليومي في دار مالي؟

تؤثّر تقلّبات سعر الصرف تأثيراً كبيراً على نشاطنا اليومي، إذ يُحسَب سعر الأونصة بالدولار أو الدرهم حسب أسعار السوق الموازي. عند ارتفاع سعر الصرف، يرتفع سعر الذهب تلقائياً، وهذا الأمر مُرهقٌ لكنّه لا يُوقف عمليات البيع والشراء كلياً؛ فالمُعدِّن أو صاحب الذهب لا يخسر، بينما يتحمَّل التاجر الخسارة الأكبر إذا اشترى بسعر مرتفع اليوم وانخفض السعر بعد يومين، بسبب تقلّبات العملة المرتبطة بالبورصة العالمية. مثلاً، اشترى بعض التجّار بـ 5350 دولاراً مع صعود البورصة، وعند انخفاضها تأثّرت أسعارُنا هنا بشدّة، ما أدَّى إلى خسائر لكثير من التجّار، وقد يَحدث ركودٌ مؤقّتٌ أو تصحيحٌ في عمليات البيع والشراء، لكنها تستمرّ على قلّتها.

الارتباط بين الذهب والسوق الموازي وثيق جداً، ولا أخفي عليك أن تجار الذهب أصبحوا يحسبون قيمة الذهب يومياً مقارنة بسعر الدرهم الإماراتي، خاصة مع وجود كتلة نقدية كبيرة مُتراكمة في البنوك الإماراتية لمصدّرين سودانيين منذ سنوات نتيجة تجارة الذهب مع الإمارات.

ما حجم التعاملات اليومية التقريبية في سوق دار مالي؟ وهل شهدت زيادةً بعد الحرب؟

يُعدّ سوق دار مالي من أكبر أسواق التعدين في السودان من حيث حجم الحركة اليومية. تقدير التداول يتراوح ما بين 70 و90 كيلوغراماً في اليوم، وربما يتجاوز ذلك في بعض الفترات بحسب كثافة المعروض وحركة الصادر. هذا الحجم يضعه في مرتبة متقدّمة مقارنة بأسواق مثل سوق دلقو وسوق أبو حمد. وقد أدّى العامل الجغرافي دوراً محورياً في اتساع نشاطه، إذ إنّ قربه من عطبرة منحه ميزة لوجستية مهمّة، سواء أكانت في ما يتعلّق بالنقل أم الارتباط بسلسلة الصادر. واتّسمت حركة السوق بالنمو حتى قبل الحرب، غير أنّ المرحلة التي أعقبتها شهدت تدفّقاً أكبر للتجّار، ما عزَّزَ حجم التداول اليومي.

يتمتع السوق بقدرة استيعابية واسعة، ويضمّ شرائح متعدّدة من المتعاملين، من المعدّنين الأهليّين إلى كبار التجّار، ويستوعب مُختلف مستويات رأس المال، ما جعله نقطة جذب رئيسة في خارطة تداول الذهب بالسودان.

ما أبرز التحديات الأمنية أو اللوجستية التي تواجه نقل الذهب من مناطق الإنتاج إلى السوق؟

رغم الحجم الكبير لسوق دار مالي، والأرقام التي تتجاوز المليون دولار يومياً، إلا أنّ السوق غير مُرتّب على النحو الذي يتناسب مع هذا النشاط، فالطرق الداخلية غير مُهيّأة، وهناك تقصير من المحلية في جانب الخدمات. نسبة الأمان عالية داخل السوق، وهذا لا يمنع حدوث بعض حالات السرقة مثل أي سوق سلعٍ في السودان، لكنها حالات فردية وقليلة ولا تؤثّر في حركة السوق.

الذهب يخرج من السوق بآلية واضحة؛ البائع يحمل ذهبه ويكون مُتّفقاً مع تاجر آخر، في عطبرة مثلاً. توجد مكاتب تسجيل مقسّمة إلى ثلاث وحدات: الأولى تابعة لجهاز الأمن الاقتصادي، الثانية للشركة السودانية للموارد المعدنية، والثالثة لشرطة التعدين. يجري تسجيل بيانات الذهب من حيث شكل القطعة وأبعادها ووزنها، ثم تُمنح ورقة تسجيل مكتملة ومختومة. بعد البيع يختم التاجر المشتري ورقة التسجيل، وختمه يُعدّ علامة إتمام البيع، وعند تسجيل عملية ذهب جديدة، يُطلب إبراز ورقة التسجيل السابقة المختومة لإثبات أنّ الذهب السابق قد بِيعَ، وهي بيانات تعتمد عليها الدولة في توثيق حركة الذهب.

إلى أيّ مدى يَعتمد السوق على الدفع النقدي مقابل التحويلات المصرفية أو التطبيقات المالية؟

تأثّر سوق دار مالي بنحوٍ مُباشرٍ بشُحِّ السيولة النقدية، ما دفع المُتعاملين للاعتماد كلياً على تطبيق «بنكك» التابع لـبنك الخرطوم في تسوية المعاملات اليومية. غير أن إيقاف خدمة IBOK (متاح للشركات وسقف تحويله أعلى)، من قِبل بنك السودان المركزي قلّص من مرونة التداول مقارنة بالفترة السابقة. وطبيعة السوق تقتضي سرعةً في التسوية بسبب التغيّرات التي تطرأ على سعر البورصة خلال اليوم، سواء أكانت صعوداً أم هبوطاً، ما يجعل عامل الزمن مؤثراً في هامش الربح. حالياً يُستخدم «بنكك» باعتباره الأكثر انتشاراً، بسقف يوميّ يبلغ نحو 15 مليون جنيه للحساب الواحد، وهو ما لا يَتناسب أحياناً مع أحجام الصفقات. لذلك يلجأ بعض التجّار إلى استخدام أكثر من حساب مصرفي لتجاوز محدودية السقوف وتسريع التحويلات. إنّ إعادة خدمة IBOK من شأنها أن تُسهم في انسياب السيولة اليومية وتخفيف الضغط على أدوات الدفع المُتاحة داخل السوق.

يقول البعض إنّ دار مالي منطقة تجارية مهمة لكنها تعاني من مشكلات بيئية؟

تعتمد أغلب الطواحين في دار مالي على استخدام مواد كيميائية خطرة مثل السيانيد والزئبق لاستخلاص الذهب من الخام، وهي مواد ثبت علمياً أنها تسبب تلوثاً للتربة والمياه والهواء، وتُخلّف مخاطر طويلة الأمد على صحة الإنسان والحيوان والنظم البيئية المُحيطة. وتزداد خطورة هذه المواد عندما تكون عمليات المُعالجة صغيرة ومُتفرّقة، وتفتقر إلى أنظمة صارمة لمعالجة النفايات والتخلُّص الآمن من المُخلَّفات السائلة والصلبة، وهو ما حذّر منه مختصّون بيئيون في ولاية نهر النيل باعتبار أنّ أي سيول أو فيضانات يمكن أن تجرف هذه الملوّثات إلى مجاري المياه والقرى القريبة مُسبّبة كارثة يصعب التحكّم فيها.

استشعاراً لهذه المخاطر، بدأت حكومة ولاية نهر النيل في تبني خطاب «صحّتك أهمّ من الذهب»، وتعهّدت بتحويل سوق دار مالي إلى سوق نموذجي من خلال تشديد الرقابة، وإنشاء مركز شرطة داخل السوق، ومنع تشغيل الأطفال القُصَّر، إلى جانب العمل على تنظيم استخدام المواد الكيميائية وتطوير البنية التحتية والخدمات. كما أظهرت شعبة سوق طواحين دار مالي استعداداً أكبر للمشاركة في مبادرات المسؤولية المجتمعية.

مِن خلال رصدكم بوصفكم تجّاراً في سوق دار مالي، هل هناك تهريب؟

منذ اندلاع الحرب اتجه جزء معتبر من التداول نحو مسارات غير رسمية، مع خروج كميات من الذهب عبر عطبرة باتجاه الحدود، خصوصاً نحو مصر، وهو مسار أصبح حاضراً في تقديرات المتعاملين داخل السوق.

والتهريب موجود، وأسبابه متعدّدة ومعروفة داخل السوق. من العوامل التي كانت محفزة سابقاً رسوم التسجيل، إذ كان يُفرض مبلغ على الجرام الواحد يقارب 300 جنيه، ما يعني نحو 300 ألف جنيه على الكيلو، وهو رقم مؤثر في هامش الربح وخلق دافعاً لتفادي الإجراءات الرسمية. لاحقاً انتبهت الحكومة لذلك، وجعلت التسجيل مجانياً، غير أنّ السلوك الذي ترسّخ في فترة الرسوم لم يتغيّر بالكامل. كذلك توجد تعقيدات في عملية الصادر الرسمي، إذ تجري المحاسبة وفق السعر الرسمي، بينما توجد فجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي، إضافة إلى متطلبات حصائل الصادر، وهي عوامل تؤثّر في قرار بعض المتعاملين.

جانب آخر يرتبط بإجراءات التسجيل نفسها، فالمشتري يدوِّن اسمه ويضع ختمه على ورقة تسجيل البائع، ما يجعل العملية قابلةً للتتبّع. في بعض الحالات تجري مساءلة المشتري عن الكميات التي اشتراها خلال فترة زمنية محدّدة، والاستفسار عن مصيرها، وهل جرى تصديرها رسمياً، هذه الإجراءات تُثير تحفّظات لدى بعض المتداولين.

تضبط شرطة التعدين في بعض الحالات كميات من الذهب المنقول، خاصة عند نقل كميات كبيرة قد تصل إلى 80 أو 90 كيلوغراماً. ووفق الإجراءات المُنظّمة للتداول، فإن الذهب المصحوب بمستندات مُكتملة تكون له صلاحية محددة بثلاثة أيام، يُتخذ خلالها قرار بالبيع عبر القنوات المُعتَمدة أو الشروع في إجراءات التصدير الرسمية.

تنظيم السوق يمنع حيازة الكميات الكبيرة خارج إطار التداول المشروع، ويخضع أي ضبط لإجراءات تسوية بين الجهة المختصة وصاحب الذهب، في إطار هذه التسوية تُخصص نسبة 20% لصالح الدولة، تُسدد إما نقداً وفق سعر اليوم أو تُستوفى عيناً من ذات الكمية المضبوطة.

أما نسبة الـ 80% الُمتبقّية فتوضع قيد الحجز إلى حين تحديد التاجر خيارَه النهائي، فإما أن يبيعها عبر الشركة السودانية، أو إكمال إجراءات التصدير عبر القنوات الرسمية، أو تسلم الشركة السودانية للموارد المعدنية  الكمية وتوريد قيمتها في حساب التاجر وفق سعر اليوم المعتمد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى