معاهدات السلام هل حققت السلام فعلاً؟

د.إيناس محمد أحمد

تقول النظرية الفلسفية للسلام المستدام أنه لا يمكن تحقيق سلام مستدام إلا إذا قام على أساس العدالة واحترام القانون وحقوق الإنسان واحترام السيادة الوطنية لكل الأطراف ، هذة الاسس لابد أن تضمن في اي اتفاق سلام ثم يضاف بعد ذلك بنود الاتفاقية الدولية الخاصة بحالة كل نزاع ، بمعني المتطلبات الواجب تنفيذها لتنزيل السلام المستدام علي أرض الواقع فعلاً.

مثال لذلك معاهدة باريس عام 1783م والتي تعد أقدم معاهدة سلام في العصر الحديث ، والتي وقعتها الولايات المتحدة و نتج عنها إنشاء الولايات المتحدة وإيقاف الثورة الأميركية حيث وقفت فرنسا بجانب الولايات المتحدة لتكون دولة صغيرة بين المحيط الأطلسي وجبال الابالاش مع احتفاظ بريطانيا بالأراضي شمال نهر أوهايو بينما تسيطر إسبانيا على جزء في الجنوب ،لكن نتيجة دعم بريطانيا لأمريكا لتصبح دولة قوية و ذات اقتصاد قوي لتكون حائط صد ضد المصالح الفرنسية ، لذلك منحت أمريكا أراضٍ امتدت حتى نهر المسيسيبي وتوسعت غربا لتصبح دولة قوية لكنها حققت سلاماً على أرض الواقع .

مؤتمر فيينا (1814_1815) عقد بعد هزيمة نابليون بونابرت ونهاية الحروب النابليونية، شاركت فيه بريطانيا وروسيا و النمسا وبروسيا، وفرنسا نفسها ، نتج عنه توقيع عدة اتفاقيات أهمها معاهدة باريس 1814م حيث منعت اندلاع الكثير من الحروب الأوروبية ونتج عنها أن عادت فرنسا لحدودها التي كانت عليها عام 1792م وخسرت كل الأراضي التي ضمتها خلال عهد نابليون.
و تم دمج هولندا وبلجيكا تحت مملكة واحدة هي مملكة هولندا لتكون حاجز ضد توسعات فرنسا.
والنمسا استعادت مدناً تابعة لها وانشاء الاتحاد الالماني لـ39 دولة ناطقة بالالمانية تحت رئاسة النمسا دون تحقيق الوحدة الألمانية.

وحازت روسيا على جزء كبير من بولندا، وسيطرت بريطانيا على مالطا وسيريلانكا ومستعمرات أخرى .
ودعم ضمان حياد سويسرا ، وادانة تجارة الرقيق ، وضمان حرية الملاحة في العديد من الأنهار بما فيها نهر الراين .
نتيجة لذلك فطنت الدول الأوربية أن مستقبل فرنسا لا في إضعافها أو ابقائها خارج منظومة العمل الأوروبي وحرمانها من دورها السياسي الذي يمكن أن تحققه، لأن ذلك يجعلها تسعى لاستعادة نفوذها والعودة للحرب مرة أخرى ، لذلك كان الحل في إعادة دمجها مرة أخرى في المنظومة الأوروبية بعد تخليها عن مشروعها التوسعي والهيمنة علي القارة الاوربية، فدخلت في تحالف غير معلن مع بريطانيا والنمسا لمواجهة الطموحات الروسية والبروسية المتعلقة ببولندا وساكسونيا و للحفاظ علي التوازن الأوروبي ، حتي تم ذلك في العام 1818م في مؤتمر ايكس لا شابيل .

المدهش أن مؤتمر فيينا لم يكن مؤتمراً بالمعنى الفني للكلمة حيث لم تعقد جلسة واحدة عامة أبداً، وإنما جرت كافة المباحثات بصورة غير رسمية بين الدول المشاركة ، لكنه أوجد إطاراً للسياسة الدولية الأوروبية.

ورغم الإشادة بمؤتمر فيينا بأنه كان حدثاً محورياً أعاد رسم خارطة أوروبا السياسية ونجح في تحقيق سلام واستقرار ومنع الحروب لفترة طويلة نسبيا ،إلا أنه أنتقد لأنه تجاهل إرادة الشعوب في تقرير مصيرها مما أدى إلى انتشار التمرد واندلاع الثورات بعد ذلك ، ونتيجة لأنه لم يراع الاختلافات العرقية ولا القوميات المختلفة بين الدول الأوروبية أدى ذلك لاستمرار النزاعات العرقية ومهد الطريق لصراعات ونزاعات ظهرت في القرن التاسع عشر بصورة وحشية .

معاهدة فرساي 1919م ، وبدأ العمل بها في يناير 1920م وقعت عليها فرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة وبريطانيا والصين واليابان والبرازيل بهدف توقيع عقوبات علي المانيا لأنها كانت السبب في قيام الحرب العالمية الأولى وذلك بتغريمها لتتحمل الخسائر التي حدثت للدول التي شاركت في الحرب كما اجبرت المانيا بالفعل علي التنازل عن العديد من مستعمراتها .
معاهدة دايتون ، والتي حسمت الحرب بين البوسنة والهرسك عام 1995م بعد مفاوضات استمرت ثلاث اسابيع في مدينة دايتون الأميركية وقررت تقسيم البوسنة والهرسك لدولتين الفيدرالية للمسلمين والكروات ، جمهورية صربيا للصرب فقط .
معاهدة كامب ديفيد بعد حرب 1973م التي انتصر فيها الجيش المصري علي اسرائيل ، وعقدت بين مصر وإسرائيل في 26 مارس 1979م .
كل هذة المعاهدات وغيرها كان لها الأثر الكبير في إيقاف الحرب وتحقيق السلام .
بتطبيق الحال علي حالة السودان ، حيث عقد مجلس الأمن في منتصف أكتوبر 2026م جلسة مفتوحة اعقبها مشاورات مغلقة لبحث تطورات الحرب المستمرة والوضع الانساني في البلاد ، شهدت الجلسات توافق دولي واسع علي وحدة السودان وسلامة اراضيه ، واحترام مؤسسات الدولة ، مما يعني ضرورة التمييز بين اليات الدولة الرسمية وشبكات دعم المليشيا اللوجستية بالمرتزقة والسلاح من الخارج لكن ظل الخلاف حول شروط التسوية السياسية والترتيبات الامنية .
بين الاتفاق والخلاف يصبح إنهاء الحرب وتحقيق سلام عادل في السودان بحاجة الي خطة مدروسة تراعي الحالة السودانية وتمنع تدفق السلاح للمليشيا من الخارج لايقاف الحرب فعليا وادانة الدول الداعمة للمليشيا بجريمة العدوان ، وتقديم الجناة الذين ارتكبو جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم العدوان للعدالة فلا سلام دون عدالة ، الي جانب الاخذ بالرؤية الوطنية لتحقيق السلام وإنهاء الحرب والتي عرضها السفير الحارث إدريس وهي رؤية سودانية قابلة للتنفيذ علي ارض الواقع قدمت وعرضت في أكثر من منبر دولي ، مما يجعلها خطة وطنية متكاملة لاحلال السلام المستدام فعلا ، لكن السؤال المحوري هل المجتمع الدولي جاد في دعم إحلال السلام في السودان وإيقاف الحرب فعلا ؟؟؟
مع الوضع في الاعتبار ان السودان لتحقيق ذلك شدد علي حماية السيادة الوطنية و ضرورة انسحاب المليشيا من المدن والمرافق المدنية وانطلاق حوار سوداني سوداني، يضع ملامح الرؤية السودانية ويستوعب المسارات الدولية والاقليمية ويكون من ذلك كله مرجعية مشتركة جوهرها احترام القانون الدولي والسيادة الوطنية ومنع التدخلات الخارجية بأي صورة كانت والالتزام بسياسة حسن الجوار .

علي صعيد دولي نجد أن أهم مخرجات جلسة مجلس الأمن كانت التأكيد الدولي علي وحدة السودان وسلامه أراضيه والاحترام للسيادة الوطنية ، مما يجعل العمل الان يتجة نحو شكل وفكرة السلام المطلوب لانهاء الحرب ، لكنه لم يتحدث عن كيفية تحقيق هذا السلام ، وهذة هي نقطة (عدم) الالتقاء بين الرؤية الوطنية الداعية لاستئصال التمرد من جذوره واقامة سلام عادل ، وبين دعوة المجتمع الدولي في كل مرة بصورة بائسة ( لهدنة) تعيد الحياة مرة اخري للمليشيا التي اصبحت في حالة موت سريري، مما يعني استمرار الحرب مرة اخري وهكذا .

قد تستطيع الحرب أن تغير أو (تعدل) موازين القوي وأن تفرض واقعاً عسكرياً أو سياسياً جديداً ومختلفاً، لكنها لا تستطيع بمفردها أن تبني سلاماً عادلاً مستداماً مالم تتحقق مطالب الشعب الذي عاني من الحرب علي ارض الواقع وتحقيق المصالحة ومعالجة اثار الحرب واعادة الاعمار للمرافق الحيوية للدولة .
خلاصة الأمر أن السودان ملتزم وجاد بتحقيق السلام وحمايته والعمل مع كافة الأطراف لتحقيقه بشرط احترام السيادة الوطنية وسلام أرضه وكرامة شعبه ، وسلام لا يحقق ذلك لن يصبح سلام .

↑
Exit mobile version