خاص: مصادر مصرية تقول إن صدام حفتر تلقى توبيخاً في القاهرة وأُبلغ بضرورة إنهاء الدعم لقوات الدعم السريع فوراً.
بقلم: مراسل ميدل إيست آي في القاهرة
كثفت مصر والمملكة العربية السعودية ضغوطهما على خليفة حفتر، القائد العسكري في شرق ليبيا، بشأن دوره في تسهيل الدعم العسكري الإماراتي لقوات الدعم السريع في السودان، محذرتين من أن استمرار هذه المساعدة قد يؤدي إلى تحول خطير في علاقة القاهرة معه.
وتأتي هذه الضغوط كجزء من جهد مصري-سعودي أوسع لمنع تدفق الأسلحة والوقود والمقاتلين إلى قوات الدعم السريع، ولجم النفوذ الإماراتي في جميع أنحاء المنطقة، ومنع المزيد من زعزعة الاستقرار على طول مثلث الحدود الحساس بين مصر وليبيا والسودان.
وفي وقت سابق من هذا الشهر، زار صدام حفتر، نجل خليفة ونائب القائد العام للقوات المسلحة العربية الليبية، القاهرة والتقى بوزير الدفاع المصري عبد المجيد صقر ومسؤولين عسكريين وأمنيين كبار آخرين.
وصورت وسائل الإعلام المصرية والليبية الاجتماع على أنه يركز على التعاون العسكري، لكن الغرض الكامل من الزيارة لم يتم الكشف عنه علناً.
وقال مصدر عسكري مصري رفيع لموقع “ميدل إيست آي”: “تم استدعاء صدام حفتر حرفياً إلى مصر، ولم تتم دعوته في زيارة مجاملة، وذلك بعد تأكيدات بأن الإمارات زودت قوات الدعم السريع بأسلحة ومعدات عسكرية وأنظمة دفاع جوي محمولة وطائرات مسيرة بمساعدة الجيش الوطني الليبي”.
وأضاف المصدر: “وجه مسؤولو المخابرات والجيش المصريون تحذيراً شديد اللهجة لخليفة حفتر عبر نجله، وقدموا أدلة على تسليم شحنات وقود لزعيم قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) من مصفاة السرير الليبية، إلى جانب شحنات أسلحة من الإمارات”.
ومنذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع شبه العسكرية في أبريل 2023، راقبت مصر بحذر انزلاق جارتها الجنوبية نحو الفوضى.
توجيه تهديد
تدعم القاهرة الحكومة والجيش السودانيين، اللذين فقدا في الأشهر الأخيرة سلسلة من المدن والبلدات الاستراتيجية لصالح قوات الدعم السريع، أبرزها الفاشر في دارفور، حيث يُعتقد أن الآلاف قد ذُبحوا على يد القوات شبه العسكرية.
ورغم أن سلطات حفتر في شرق ليبيا تحظى بدعم طويل الأمد من مصر، إلا أنه مدعوم أيضاً من الإمارات، الراعي الرئيسي لقوات الدعم السريع، والتي تقوم بضخ الأسلحة والمرتزقة والأموال إلى القوات شبه العسكرية عبر ليبيا وتشاد وإثيوبيا.
وكما كشف تقرير حديث، ساهمت خطوط الإمداد عبر ليبيا -التي أنشأتها قوات الدعم السريع من خلال الاستيلاء على المناطق الحدودية في يونيو- بشكل مباشر في قدرة المجموعة على الاستيلاء على الفاشر، بعد حصار دام أكثر من 550 يوماً.
ووفقاً للمصدر العسكري، تمتلك مصر صوراً جوية تظهر شحنات أسلحة تنتقل من أبو ظبي إلى حفتر، ومنه إلى قوات الدعم السريع، بالإضافة إلى صهاريج وقود ليبية تنقل الوقود إلى قوات الدعم السريع في دارفور.
وقال المصدر: “كما رصدت الأجهزة الأمنية المصرية، عبر المراقبة الصوتية والمرئية، وصول مرتزقة من كولومبيا وفنزويلا إلى ليبيا، ومن هناك يتم نقلهم إلى السودان للانضمام إلى قوات الدعم السريع”.
وأضاف: “بدون هذا الدعم، ما كانت قوات الدعم السريع لتحقق تقدمها الأخير”. وتابع قائلاً: “كانت الرسالة واضحة: استمرار الدعم لقوات الدعم السريع سيجبر مصر على إعادة النظر في علاقتها بالكامل مع شرق ليبيا”.
وبحسب المسؤول العسكري المصري، عرضت القاهرة والرياض على صدام حفتر تعاوناً ودعماً مالياً وعسكرياً بديلاً ليحل محل الدعم الإماراتي.
وأشار المصدر إلى أن الاجتماعات بين صدام حفتر والمسؤولين المصريين أعقبتها صفقة أسلحة سعودية مع باكستان بقيمة 4 مليارات دولار. وأضاف: “من المتوقع توزيع الأسلحة بين قوات حفتر والجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان”.
يسيطر حفتر على شرق وجنوب ليبيا، ويدير إدارة منافسة للحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس.
ومع ذلك، ووفقاً للمصدر العسكري، شارك المسؤولون العسكريون المصريون معلومات استخباراتية مع صدام حفتر توضح خططاً إماراتية لتقسيم أراضي حفتر بمجرد أن تضمن قوات الدعم السريع السيطرة على دارفور وكردفان وتزعزع استقرار شمال السودان الذي يسيطر عليه الجيش.
وقال المصدر: “الخطة الإماراتية تضمنت تقسيم ليبيا إلى عدة مناطق، بحيث تبقى بعض المناطق تحت سيطرة طرابلس، وأخرى تحت بنغازي، وفصل الجفرة وسرت”.
احتكاك إقليمي
اندلع خلاف علني بين الحليفين المقربين سابقاً، السعودية والإمارات، في الأسابيع الأخيرة.
لقد زرع الإماراتيون الشقاق في جميع أنحاء الشرق الأوسط وأفريقيا في السنوات الأخيرة من خلال دعم العديد من حركات التمرد والجماعات الانفصالية، بما في ذلك قوات الدعم السريع المتهمة بسلسلة من جرائم الحرب، بما في ذلك الإبادة الجماعية.
في اليمن، وفي وقت سابق من هذا الشهر، تعرض المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي المدعوم من الإمارات للهزيمة على يد مقاتلين موالين للحكومة اليمنية مدعومين بضربات جوية سعودية، بعد سيطرته لفترة وجيزة على كامل شرق البلاد.
وصاحبت هذه التطورات بيانات إدانة نادرة بين السعودية والإمارات، ومنذ ذلك الحين أصبحت الرياض أكثر حزماً بشكل علني ضد السياسة الإماراتية في المنطقة.
وقد انضمت مصر إلى المملكة العربية السعودية في هذا المسار. وفي وقت سابق من هذا الشهر، ذكر موقع “ميدل إيست آي” أن القاهرة شاركت معلومات استخباراتية مع الرياض حول الأنشطة الإماراتية في اليمن.
وقال محلل جيوسياسي مقيم في القاهرة لموقع “ميدل إيست آي”، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية: “كان دعم الإمارات لقوات الدعم السريع جزءاً من استراتيجية أوسع لتشكيل مستقبل السودان وليبيا وتعزيز موطئ قدمها في القرن الأفريقي والساحل”.
وأضاف: “لكن تلك الطموحات اصطدمت بشكل متزايد بالمصالح السعودية، خاصة وأن الرياض تنظر إلى صعود قوات الدعم السريع كتهديد للاستقرار الإقليمي وتحدٍ مباشر للقوات المدعومة من السعودية في اليمن”.
غارة جوية مصرية
سبقت التحذيرات الموجهة لصدام حفتر غارة جوية مصرية على قافلة عسكرية عبرت من ليبيا في طريقها إلى الأراضي التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع في السودان، مما أدى إلى تدميرها بالقرب من مثلث الحدود المصري-الليبي-السوداني.
وقال مصدر عسكري مصري ثانٍ لموقع “ميدل إيست آي”: “وقعت الضربة بعد عبور القافلة الحدود الليبية في منطقة العوينات، جنوب غرب مصر وجنوب شرق منطقة الكفرة الليبية”.
وأضاف المصدر: “تتبعت المخابرات العسكرية المصرية تورط قوات موالية لحفتر، بما في ذلك كتيبة سبل السلام، في مساعدة قوات الدعم السريع للسيطرة على مثلث الحدود، إلى جانب رحلات الجسر الجوي الإماراتي التي تهبط في مطار الكفرة وتنقل الأسلحة والمرتزقة براً إلى مواقع قوات الدعم السريع”.
وضمت القافلة عشرات المركبات المحملة بالوقود والأسلحة والمعدات العسكرية. وقال المصدر: “تم تدمير معظم المركبات واشتعلت النيران في شاحنات الوقود”.
وأردف قائلاً: “تعليمات القيادة العامة للقوات المسلحة كانت واضحة: الدوريات الجوية مستمرة، وسيتم استهداف أي تحرك عسكري من ليبيا باتجاه السودان لدعم ميليشيا حميدتي”.
ووفقاً للمصدر العسكري الثاني، تم تعليق الحركة الجوية إلى الكفرة من أبو ظبي وأرض الصومال (المنطقة الصومالية المتحالفة بشكل وثيق مع الإمارات) منذ ذلك الحين.
وقال: “لقد أرسلت الضربة رسالة واضحة: لن يتم التسامح مع أي تحرك في مثلث العوينات. أي شاحنات عسكرية أو قوافل إمداد تتحرك من ليبيا لدعم قوات الدعم السريع ستواجه المصير نفسه”.
ويعتقد المحللون أن التوافق المصري السعودي المتنامي بشأن اليمن والسودان وليبيا يهدف إلى مواجهة الهيمنة الإماراتية المتوسعة في المنطقة.
وقال دبلوماسي ومحلل سياسي مصري سابق إن التنسيق الأخير بين مصر والسعودية بشأن اليمن والسودان وليبيا كان مدفوعاً بـ “مخاوف مشتركة بشأن توسع نفوذ الإمارات العربية المتحدة عبر الصراعات الثلاثة”.
وأضاف المحلل لموقع “ميدل إيست آي”: “هذا التقارب لم يحقق بالكامل ما كانت تأمله القاهرة من حيث تقارب سعودي-مصري أوسع”.
وختم بالقول: “بينما يبدو الرئيس عبد الفتاح السيسي وولي العهد الأمير محمد بن سلمان متوافقين في التصدي للنفوذ الإماراتي، إلا أن الخلافات لا تزال قائمة حول القيادة السياسية في المنطقة”.