مصرفي: سياسات “المركزي” للعام 2026 محاولة جادة لإعادة ضبط المسار الاقتصادي

الأحداث – رحاب عبدالله
أكد المصرفي التنفيذي الباحث الاقتصادي أيمن جاويش أن سياسات بنك السودان المركزي للعام 2026 تأتى في خضم واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية التي شهدها السودان منذ الاستقلال، كمحاولة جادة لإعادة ضبط المسار الاقتصادي في ظل تداعيات الحرب الحالية، مشيرا إلى أنه وفقا لبيانات صندوق النقد الدولي، يُتوقع أن يبلغ معدل التضخم في السودان نحو 87.2% في عام 2025، مع انكماش اقتصادي بمعدلات عالية خلال عامي الحرب، كما تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن أكثر من 46% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، بينما تراجعت الإيرادات الحكومية بأكثر من النصف منذ اندلاع العدوان على شعب السودان.
وأوضح أنه في هذا السياق، تبرز سياسات البنك المركزي كاداة مركزية لإعادة بناء الثقة، وتحقيق الاستقرار النقدي، وتعزيز الشمول المالي والتحول الرقمي، مع تركيز واضح على دعم القطاعات الإنتاجية والتمويل المستدام.
وقال إن السياسات المعلنة لعام 2026 تنطلق من إدراك عميق لحجم التحديات: جهاز مصرفي هش، تضخم جامح، وانهيار في الثقة العامة حيث ان البنك المركزي يستهدف نموا اسميا في عرض النقود بنسبة 47.6%، ونموا في القاعدة النقدية بنسبة 41.1%، مع محاولة كبح التضخم عند متوسط 65% وهو رقم مرتفع لكنه يعكس واقعية في ظل بيئة تضخمية مفرطة.
وأشار إلى أن اللافت في هذه السياسات هو التركيز على أدوات غير تقليدية: التوجيه الائتماني القطاعي، تسهيلات السيولة الطارئة، وإعادة هيكلة المصارف وفق تصنيف رباعي يميز بين المستدامة والمحتاجة للإصلاح أو التصفية، ورأى أن هذه المقاربة تعكس فهما بأن التعافي لا يمكن أن يتم دون إعادة بناء الثقة في الوساطة المالية.
وأكد أنه من اللافت في سياسات بنك السودان المركزي لعام 2026 غياب أي إشارة إلى التعاون مع صندوق النقد الدولي، سواء على مستوى التمويل أو الدعم الفني. في بيئة ما بعد الحرب، حيث تعاني الدولة من عجز مالي مزمن، وتآكل في الاحتياطيات الأجنبية، قد يُنظر إلى هذا الغياب كعزلة طوعية محفوفة بالمخاطر. لكن في المقابل، يمكن اعتباره فرصة لإعادة تعريف السيادة الاقتصادية، بعيدا عن شروط الصندوق وحلوله المعلبة.
وقال إن السودان، بموارده الطبيعية الهائلة غير المستغلة – من الذهب، والمعادن الأخرى، إلى الأراضي الزراعية الخصبة – يمتلك إمكانيات تمويلية بديلة.
وأكد جاويش أن من بين الحلول الإبداعية الممكنة إصدار صكوك سيادية مدعومة بأصول طبيعية غير منتجة حاليا، مثل احتياطيات المعادن أو الأراضي الزراعية، ما يتيح تعبئة موارد محلية وخارجية دون الحاجة إلى الاقتراض التقليدي أو التنازلات السيادية.
وأوضح أن تجارب دول مثل ماليزيا وإندونيسيا في استخدام أدوات التمويل الإسلامي، بما في ذلك الصكوك المرتبطة بالأصول، تقدم نماذج ناجحة لسياسات نقدية مستقلة استطاعت تحقيق الاستقرار والنمو دون الارتباط المباشر بصندوق النقد الدولي.
وأوضح جاويش أن من بين النقاط المضيئة في السياسات، يبرز التوجه نحو التحول الرقمي وتعزيز الشمول المالي. دعم شركات التقنية المالية (FinTech)، إنشاء مستودعات بيانات، وربط نظم الدفع إقليميا، كلها خطوات تعكس طموحا في تجاوز البنية التقليدية نحو اقتصاد أكثر مرونة. كما أن تخصيص 12% من المحافظ التمويلية للتمويل الأصغر، مع التركيز على النساء والشباب والمتأثرين بالحرب، يعكس بعدا اجتماعيا مهما في السياسات.
لكنه رهن تحقيق قفزة نوعية في هذا المجال، بتبني أفضل الممارسات العالمية، مثل:
إطلاق هوية رقمية وطنية موحدة ترتبط بالحسابات المصرفية وتُستخدم في جميع المعاملات المالية.
وفي حال تعذر تطبيقها على نطاق واسع، يمكن اعتماد بدائل مرنة، مثل استخدام رقم الهاتف المحمول المسجل لدى شركات الاتصالات كوسيلة تعريف رقمية، كما هو مطبق في البحرين، أو اعتماد أنظمة تحقق بيومترية عبر وكلاء مصرفيين في المناطق النائية بجانب إنشاء صندوق وطني لدعم الابتكار المالي يمول شركات التقنية الناشئة ويوفر ضمانات للمخاطر واعتماد معايير ISO 20022 لتوحيد الرسائل المالية وتسهيل التكامل مع الأنظمة الإقليمية والدولية.
أما على صعيد العلاقات المصرفية الدولية، فإن سياسات تجنب المخاطر (derisking) التي تتبعها البنوك المراسلة تمثل تحديا كبيرا أمام انسياب التحويلات والمعاملات الخارجية. ولتجاوز هذه العقبة، يمكن:
إنشاء وحدة امتثال مركزي متخصصة تتبع البنك المركزي، تتولى مراقبة المعايير الدولية وتقديم تقارير موحدة للبنوك المراسلة.
الاستفادة من منصات الامتثال الإقليمية مثل منصة “AFI” أو “SWIFT KYC Registry” لتعزيز الشفافية.
توقيع اتفاقيات ثنائية مع بنوك إسلامية إقليمية لا تخضع لنفس القيود الغربية، لتوفير بدائل تمويلية وتحويلية.
وتمثل سياسات بنك السودان المركزي لعام 2026 محاولة جادة لإعادة ضبط الاقتصاد في بيئة ما بعد الحرب. لكنها، كما قد يشير بعض الاقتصاديين، تفتقر إلى “الركيزة الخارجية” التي يوفرها التعاون الدولي، خاصة مع صندوق النقد. في غياب هذا الدعم، سيكون نجاح السياسات مرهونا بقدرة الدولة على تعبئة الموارد داخليا، واستعادة الثقة، وتجنب الانزلاق نحو مزيد من التدهور النقدي.
في هذا السياق، تبرز أهمية حشد الموارد الرأسمالية الوطنية، لا سيما تلك المصطفة في جانب الوطن ومؤسساته السيادية، بما في ذلك القوات المسلحة، من خلال طرح أدوات تمويل واستثمار جذابة. يمكن الاستفادة من تجربة الشهادات الحكومية في بداياتها، مثل “شهادة شهامة”، التي نجحت في استقطاب مدخرات ضخمة من الجمهور عبر عوائد مغرية وضمانات سيادية. ويمكن تطوير أدوات مماثلة اليوم، مثل:
صكوك وطنية إنتاجية موجهة لتمويل مشاريع البنية التحتية والزراعة والطاقة.
شهادات استثمار مدعومة بالذهب أو الأصول العقارية، تعزز الثقة وتوفر تحوطًا ضد التضخم.
صناديق استثمار سيادية مشتركة بين الدولة والقطاع الخاص والمغتربين، تدار بشفافية وتخضع لرقابة مستقلة.
إن نجاح هذه السياسات لا يتوقف فقط على حسن تصميمها، بل على الإرادة السياسية، والحوكمة الرشيدة، والقدرة على بناء توافق وطني حول أولويات التعافي. فالسودان، رغم جراحه، لا يزال يملك من الموارد والطاقات ما يؤهله للانطلاق من جديد، إذا ما أُحسن توظيفها.



