مستقبل العلاقة بين مصر و السودان (2)

أمية يوسف حسن أبوفداية

كما أشرت في المقال السابق، فقد تبدل واقع التعامل مع السودانيين في مصر بصورة واضحة خلال السنوات الأخيرة بعد الحرب، رغم التأكيدات المتكررة الصادرة من أعلى مستويات الدولة المصرية على عمق العلاقات التاريخية والاستراتيجية بين البلدين، سواء في تصريحات دولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي أو فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي، اللذين أكدا في أكثر من مناسبة خصوصية العلاقة بين الشعبين وحرص الدولة المصرية على دعم السودان.
غير أن الواقع العملي يعكس تغيرًا ملحوظًا في عدد من الملفات المهمة، وهو ما ألقى بظلاله على أوضاع مئات الآلاف من السودانيين المقيمين أو الراغبين في دخول مصر.
أولى هذه القضايا تتمثل في التعليق العملي لاتفاقية الحريات الأربع الموقعة بين السودان ومصر عام 2004، ولا سيما من الجانب المصري، بما ترتب عليه تقييد حركة المواطنين خلافًا لما استقر عليه العمل طوال سنوات.
كما أُلغي نظام التمييز الإيجابي الذي كان يسمح بدخول السودانيين ممن تجاوزوا الخمسين عامًا أو لم يبلغوا السادسة عشرة دون تأشيرة، إضافة إلى السماح بدخول جميع السودانيات دون تأشيرة، ليحل محله نظام الموافقات الأمنية الصادرة من جهات متعددة بدلاً من التأشيرة التقليدية. وأصبح من الممكن الحصول على هذه الموافقة في يوم التقديم نفسه مقابل مبالغ وصلت في بعض الفترات إلى ثلاثة آلاف دولار، قبل أن تنخفض لاحقًا نتيجة تراجع الطلب.
ومن أكثر القضايا التي أثارت استياء السودانيين التأخير في استخراج الإقامة لحاملي البطاقة الصفراء، حيث تمتد المواعيد في بعض الحالات إلى ثلاث سنوات.
إلى جانب تأخير إصدار التأشيرات للمرضى والطلاب المقبولين في الجامعات المصرية لأشهر، الأمر الذي أدى إلى وفاة بعض المرضى وضياع الفصل الدراسي الأول على بعض الطلاب أو اضطرارهم إلى شراء موافقات أمنية.
كما أن عدم الاعتراف بحاملي البطاقة الصفراء، وهي الوثيقة التي تمنحها مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لطالبي اللجوء، أدى إلى ترحيل بعضهم إلى السودان بعد احتجازهم في ظروف بالغة الصعوبة لفترات قد تبدأ بأسبوع وتمتد إلى ثلاثة أشهر، مع وجود حالات وفاة جرى تداولها بين ذوي المحتجزين. ويضاف إلى ذلك حرمان كثير منهم من التواصل مع أسرهم أو محاميهم، ليظل مصيرهم مجهولًا حتى تعثر عليهم أسرهم بعد مدة أو تعلم بوصولهم إلى السودان. وقد نبهت الكاتبة المصرية آمال الطويل مرارًا إلى خطورة هذه الممارسات، مؤكدة أن بعض الجهات الرسمية تسيء إلى مستقبل العلاقات السودانية المصرية.
وشملت الإجراءات أيضًا منع اللاجئين السودانيين من العمل الرسمي قبل الحصول على الإقامة، والتي قد تتأخر لسنوات كما ذكرنا، مما اضطر معظمهم إلى العمل بعقود عمالية.
كما جرى تعديل المنح الدراسية للطلاب السودانيين من خصم 90% إلى 70% من إجمالي الرسوم.
إلى جانب إلغاء مساواة السودانيين بالمواطن المصري في الرسوم الحكومية.

وقد ترتب على هذه السياسات المفاجئة نتيجتان واضحتان :
الأولى : أنها وفرت فرصة لبعض معارضي الحكومة في الخرطوم لاستغلالها في الإساءة إلى العلاقات مع مصر، بسبب الموقف المبدئي والاستراتيجي الذي اتخذته القاهرة بدعم الحكومة السودانية خلال الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 ضد قوات الدعم السريع. أما الثانية : فهي تنامي حالة السخط وسط قطاع واسع من الأسر السودانية المتضررة من هذه الإجراءات ومعارفهم .

إن الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية بين السودان ومصر يقتضي من العقل الاستراتيجي والأمني والإعلامي المصري تدارك خطورة هذه السياسات وآثارها المستقبلية، خاصة في ظل الغياب الواضح للدور الرسمي السوداني، وعلى رأسه السفارة السودانية في القاهرة.

Exit mobile version