

فيما ارى
عادل الباز
1
تتلبد في الأفق السياسي والعسكري غيوم أحداث كبرى تمضي ببطء شديد عبر مسارات غامضة، لم يستطع أي مراقب أن يفك شفرتها، سوى بعض “الرواة” من سابلة “الأسافير” الذين لا تُؤخذ منهم شهادة حقه وإن صدقوا. تأملتُ تلك المسارات الغامضة فرأيت أن أشرك قراء هذه الزاوية في الكشف عن زوايا تلك المسارات دون الخوض في تفاصيلها.
2
ثلاثة مسارات تتسربل بالغموض؛ أولها المسار العسكري، وثانيها السياسي، وثالثها التفاوض مع الإمارات. في المسار العسكري، تدل كل التحركات في مسارح العمليات على أن الجيش يُعد لهجوم حاسم على المليشيا في كردفان، وقد بدأت طلائع ذلك بتحرير “الكتمة” و”كرن” وفك الحصار عن “الدلنج” ومحاصرة “بارا”. ولكنه يتخذ ذات الاستراتيجية التي انتهجها منذ بداية الحرب، وهي إضعاف العدو بتدمير قواته وأسلحته وسلاسل إمداده، وهو الأمر الذي يتم يومياً عبر استهداف أرتال المتحركات في طرق دارفور، إضافة إلى الهجمات المتكررة على نيالا حيث يجري تخزين الأسلحة ومنصات المسيرات والتشويش. يتبع ذلك التقدم ببطء نحو المناطق الاستراتيجية الحاكمة وليس مطاردته المليشيا في كل مكان، ثم انتهاج سياسة الصبر الاستراتيجي والتعامل الاستخباري الذي أثمر تفكيك المليشيا من الداخل واستقطاب قادتها، على نحو ما شهدنا في انسلاخ “النور قبة” و”السافنا”. هذا ما شاهدناه وعلمناه من تحركات الجيش، ولكن لا أحد يخبرك إلى أين تتجه ريح التحركات القادمة في مسارح العمليات. هل ينتظر الجيش صفقة سياسية تستسلم فيها المليشيا بلا قتال؟ أم إنه يعمل ضمن ذات الاستراتيجية الأولى بتدمير العدو والتحرك ببطء؟ مما يجعل هذا المسار غامضاً هو ظلال المسارات الأخرى من ناحية، ومن ناحية ثانية الإشارات التي ترد عن أننا مقبلون على أحداث كبرى على الحدود و مزيد من الانسلاخات داخل المليشيا.
3
المسار الثاني، الأقل غموضاً، هو المسار السياسي؛ إذ أعلنت الحكومة عما أسمته بـ”مؤتمر الحوار السوداني / السوداني”، وقال رئيس الوزراء إن المؤتمر سيعقد في نهاية هذا الشهر. الغموض يأتي من أنه لم يتم الكشف عن هوية المشاركين، تنظيماتهم، شخصياتهم، ولا أسس تلك الدعوة ولا أجندة المؤتمر، ومن يديره، وما هو مصير ما يتمخض عنه من نتائج؛ هو مجرد إعلان مجهول حتى زماناً ومكاناً محدداً. هناك تحركات فعلاً في هذا الاتجاه، ووصلت بعض طلائع المشاركين للخرطوم، وهناك حديث عن مشاركة رموز من “صمود”. بحسب رئيس الوزراء لم تبقَ من الزمن إلا أقل من أسبوعين، وبما أن هذا المؤتمر ليس سرياً ولا حدثاً “ماسونياً”، فما المانع من أن تكون له سكرتارية معلنة بمقرها وتحركاتها مكشوفة؟ وما المشكلة في أن تُطرح الأجندة للحوار على الرأي العام وتكون هناك حركة يومية باتجاه المؤتمر؟ وهذا من شأنه أن يعبئ الرأي العام ويجعله متفاعلاً مع وقائع ما يجري في المؤتمر لاحقا كحدث تاريخي من شأنه أن يشكل مستقبل البلاد. لماذا “الدسديس والغتغته”؟ هذا ليس شأناً عسكرياً، إنما حوار سياسي مفتوح من حق الرأي العام أن يطلع على مجرياته. هل فعلاً سنشهد بعد أقل من أسبوعين فقط مؤتمراً سرياً للحوار السوداني / السوداني وسط بحر من الفوضى السياسية والعجلة فلا نحصد منه إلا الرماد وأرتالاً من الخطب؟ ان سيوجل إلى اجل غير مسمى, هذا مسار سياسي غامض بلا داعٍ.
3
المسار الأخير هو مسار التفاوض مع الإمارات، ويبدو أن هذا المسار الذي خلق زوبعة كبيرة ونظريات كان وهماً وسراباً، إذ إن كل المؤشرات والدلائل تشير إلى أن لا شيء يجري في المنامة.. لا مفاوضات مع الدعم السريع أو مفاوضات مع الإمارات.
الإمارات في شغل شاغل هذه الأيام؛ اذ تتعرض للقصف يومياً بالمسيرات، وموانئها أضحت الهدف الأهم لإيران فهي تحت القصف المستمر. فشلت مخططات الإمارات في “الرباعية” التي لم تثمر شيئاً بل ماتت بعد مواقف السعوديين والمصريين منها مؤخرا ، ثم التحول الذي طرأ في الموقف الامريكى بعد اعتماد ما سماها مسعد بولس “مبدأ برلين” كمقترح للحل عوضاً عن الرباعية. ثم يبدو الإمارات يئست من قدرة المجتمع الدولي على فرض حل للأزمة السودانية يعيد المليشيا للساحة السودانية، إضافة إلى الإحباط الحادث لها مما يجري داخل المليشيا من تفكك وهزائم متتالية.آخر محاولات الإمارات هو فتح جبهة إثيوبيا لنقل الحرب إلى المجال الإقليمي، والهدف من ذلك جر الإقليم للحرب مما يستدعي ذلك وقتها فرض ضغوط دولية لعقد صفقة مع الدعم السريع.كل ذلك فشل وسقطت رهاناته.
4
لكل ذلك، أعتقد أن الغموض الذي كان يلف مسار تلك المفاوضات هو من صنع دراما الاسافير أو جهات تبحث عن حدث ما يسمح لها بإعادة تموضعها في الساحة السياسية من جديد.. سواء على “تأشيرات” الجنجويد أو على صهوة المجتمع الدولي أو بصفقة مع الإمارات. المهم هو أن يجيئوا عائدين إلى الوطن فقط، وقد قتلت أحلام القوى المدنية التي ستتسلم السلطة فورا؛ كل تلك الأوهام ضاعت هباءً منثوراً.