مرافق بالصُدفة..(1)

الطاهر ساتي
:: ومن قواعد المهنة، يجب ألا يكون الخبر الصحفي حدثاً طبيعياً و متداولاً ومعروفاً للناس.. وعلى سبيل المثال، أن يعض الكلب رجلاً شئ طبيعي وليس خبراً، ولكن أن يعض الرجل الكلب غير طبيعي و(خبر مثير) ..!!
:: ومثال آخر من الواقع السوداني : ( بعد توقف دام عشرين عاماً، افتتح وزير الصحة الاتحادي مستشفى كورتي بمروي..فالخبر هنا ليس هو افتتاح مستشفى، فهذا مثل ( عض الكلب الرجل)، ولكن أن يتوقف العمل بمستشفى عشرين عاماً (خبر)، ويشبه في غرابته ( عض الرجل الكلب)..!!
:: ونفهم أن يتوقف العمل بالمصانع عاماً أو مدى الحياة بسبب الخسائر وأسباب أخرى ..ولكن كيف نفهم توقف العمل بمستشفى عشرين عاماً؟.. لماذا كان العمل متوقفاً طوال هذه الفترة؟، ألم يكن أهل كورتي يمرضون طوال العشرين سنة كغيرهم من البشر (مثلاً) ..؟؟
:: والخبر الثاني، قبل شهر تقريباً، تلقى وزير الصحة الاتحادي إهداءً من أهالي منطقة الجكيكة بنهر النيل، تعبيراً عن تقديرهم لجهوده في خدمة المنطقة وتشغيل المستشفى الرئيسي الذي ظل متوقفاً عن العمل لفترة طويلة، ليصبح واحداً من أكبر مستشفيات الطوارئ والإصابات في السودان..!!
:: نعم، مستشفى الجكيكة أيضاً، كان متوقفاً عن العمل مثل مستشفى كورتي.. وقبل أسبوع أعلن مستشفى الجكيكة عن تمكن فريق طبي من إجراء عمليات جراحية دقيقة، شملت إزالة أورام سرطانية وإصلاح عيوب خلقية لأطفال.. وكان متوقفاً، ربما لأن أهل المنطقة بدأوا يمرضون مؤخراً..!!
:: ومستشفى مروي الدولي أيضاً.. ظل متوقفاً عن العمل منذ العام 2007، وحتى العام 2016، حيث استقبل بعض الجرحى اليمنيين، ثم توقف، ليعمل حالياً، أي بعد الحرب، كالجكيكة وكورتي.. مساحته مائة الف متر مربع، ثلاثة طوابق، وبه مركز لعلاج الأورام، والسعة التشغيلية (350 سريراً)، و..و.. !!
:: وبلغت تكلفة مستشفى مروي (82.257.974.43 جنيه)، في العام2007.. ىومن حيث الأجهزة والمعدات والمواصفة يعد الأكبر والأحدث في البلاد، ولكن بالتخطيط السئ و التنفيذ الأسوأ لم تستفد منها البلاد والعباد سنين عدداً، ولولا الحرب لظل مهجوراً ..!!
:: وكثيرة هي المشافي والمراكز الصحية التي كانت مهجورة بالولايات، ثم بدأت تعمل بعد الحرب و نزوح الناس إليها.. ولو كان يجوز شكرها لشكرنا الحرب التي أوجدت جدوى المشافي والمراكز التي شُيّدت بالصٌدفة، أي بغير تخطيط، (كيري ساكت)، ولو لم يكن كذلك لما ظلت مهجورة عشرين عاماً ..!!
:: ويبقى السؤال الحرج، ماذا بعد عودة النازحين – بمن فيهم الكوادر الطبية – إلى الخرطوم ومدني وسنار و غيرها من المدن الكبرى؟، هل ستظل هذه المرافق تقدم خدماتها العلاجية لأهل المنطقة أم ستتوقف عن العمل مرة أخرى عقب عودة الكوادر الطبية – النازحة – إلى الخرطوم وغيرها..؟؟
:: و في ثنايا الإجابة يُكمن عجز السلطات عن تاسيس النظام الصحي الأمثل، أي المبني بالتخطيط، وليس بالصُدفة..وقبل عام تقريباً، في حوار مع وزير الصحة د. هيثم محمد إبراهيم، تحدثنا عن خلل الخارطة الصحية، وأمن سيادته على ذلك، وذكر بأن هذه واحدة من مشكلات قطاع الصحة .. و.. نواصل ..!!



