غابت الصحافة الورقية في السودان مع انطلاق رصاصة الغدر في الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٣، حيث اغتالتها يد الغدر الآثمة، يد مليشيا الدعم السريع الإرهابية، وهي تريد أن تسكت صوت الصحافة إلى الأبد، وتغلق باب التوثيق وذاكرة السودان، كما فعلت بضرب هوية السودان وذاكرته في المتاحف والآثار ودار الوثائق والإذاعة والتلفزيون وغيرها من أشكال التدوين والتوثيق بالكاميرا والأثر والقلم. ما دفعني لكتابة هذه الكلمات، هو فرحتي واغتباطي باستمرار مجلة (حواس)، رغم كل هذه الظروف القاسية، والقاهرة في آن واحد، وحواس المجلة تجاوزت كل ذلك، وظلت راسخة، وشامخة، وسامقة، تصارع الريح، أكملت حواس (خمسة عشر ربيعا) وهو عمر الزهور، فعلت حواس هذه المعجزة، وصناعة المجلة ذاتها كانت شبه مستحيلة، حتى في أوقات الاستقرار ، قبل الحرب، بل قبل انفلات الاسعار وتراجع الجنيه وأمواج التضخم، فكل تجاربنا السودانية في صناعة المجلة أكلها (غول السوق)، وأغلقت أبوابها بسبب الخسائر المتلاحقة، وظلت (حواس) باقية، لم تغب عن عيون قرائها، كمطبوعة ورقية الا أياما معدودات، عندما كان ربانها وقائد ركبها الأستاذ طارق شريف، ملاحق من قبل المليشيا من كافوري إلى أمدرمان، وعايش أقسى أيام حياته عندما كانت نيران المدافع ودوي الدانات يحاصر شقته في بيت المال، وخرج من هناك مع أبنائه بأعجوبة. وصل طارق شريف لأرض الكنانة، مثله وملايين السودانيين، لكنه ظل يحمل بين جنبيه هم (حواس)، ورغبة قرائها، فشرع لتوه في إصدارها الكترونيا، ثم ما لبث كثيرا حتى أصدرها مطبوعة تزينها أحبار المطابع. ولحواس جاذبية، تجمع بين رصانة محتوى التحرير، وفخامة الطباعة المصقولة، بألوانها الزاهية، خرجت حواس، ووجدتها ضمن سفرياتي عبر شركة تاركو، ووجدتها كما هي، لم تهزها آفة الحرب. الصحفي الصديق طارق شريف نعرفه من عشرات السنين، صاحب رسالة وهدف، وعشق أبدي للحرف والحبر، له مسيرة مشرقة في هذا البلاط، ومن الذين رفدوا المكتبة السودانية، ببعض الاصدارات، أشهرها كتابه عن الراحل عثمان حسين، وكتاباته الماتعة عن أمدرمان تلك اللؤلؤة بين المدن السودانية. واكبت (حواس) بقيادة هذا الفتى العاشق، تطورات الصحافة، ودخول الإعلام الجديد، فأنشأ موقع حواس الالكتروني ومنصتها الخبرية، وظلت (حواس) تحتل مقعدا متقدما في بحر متدفق من الإعلام الالكتروني الذي لا يتوقف، وحازت الثقة والمصداقية، في وقت عزت فيه الحقيقة، فصارت حواس مصدرا مهما للأخبار. سررت غاية السرور وأنا أتابع احتفالها باكمال العام الخامس عشر، ونقول لطارق وأركان سلمه، تحريرا وإدارة ألف مبروك .. ونقول لـ (حواس)، خلاص كبرتي وليك خمستاشر سنة عمر الزهور عمر الغرام وعمر المني.. ومليار مبروك.