رأي

ما تبقّى من “كلام الناس”

فيما أرى

عادل الباز

1

حين قرأت ما كتبه الأستاذ فيصل محمد صالح قبل فترة عن أستاذنا نور الدين مدني – رحمه الله – انفلتت مني ضحكة على طريقته. كان لنور طريقة عجيبة في الضحك؛ ضحكة متقطعة، متصاعدة، لا تملك معها إلا أن تنخرط فيها.

2

يحكي فيصل عن نور مدني فيقول:

(يخرج من مكتبه مستاءً من مادة مكتوبة بطريقة رديئة، أو من تأخر موعد تسليمها، يخلع حذاءه ويسير حافيًا، ونظارته معلقة بسلسلة على رقبته، وأكثر من قلم عالق وسط شعره، وهو يصرخ مناديًا الصحفي، وينهي صراخه بجملته الأثيرة: “عايزين تجننونا!”.. فيجيبه الأستاذ فضل الله ضاحكًا: “تجن أكتر من كده كيف يا نور الدين؟”).

ذلك المشهد عشته يوميًا على مدى أربع سنوات. كانت العبارة نفسها يعزفها على مسامعنا في صالة تحرير صحيفة الصحافة. وأكثر من كان يثير جنونه هو الرشيد علي عمر. كان الرشيد يكتب في آخر مقاله “بلاوي” يضعها تحت عنوان فرعي: “للشريان ختام”. وكنت أبدأ قراءة العمود من “الشريان ختام”، لأن كل البلاوي كان الرشيد يدسها هناك. وكان الأستاذ نور لا ينتبه لمكر الرشيد، فتمر تلك البلاوي، لأجد نفسي أسبوعيًا في المحاكم بسببها!( الله لاكسبوا.

3

منذ عقود كنت أقرأ في جريدة الصحافة عمود “كلام الناس” لنور الدين مدني. وكان العمود اسمًا على مسمى؛ إذ كان المقال تعبيرًا صادقًا عما يدور في المجالس، وعن كلام الناس في أروقة السياسة والمجتمع والفن. وهو عمود متنوع يدل على ارتباط وثيق لنور الدين بمجتمعات متعددة: سياسية وفنية واجتماعية. وكان نور قادرًا في مقاله على التعبير عن نفسه وعن الناس بطريقة سلسة وبسيطة، وقريبة من القارئ.

4

تعرفت على نور الدين شخصيًا في جريدة الصحافة أيام “الشراكة الذكية” عام 2003. جئت رئيسًا لتحرير الصحيفة وقتها، وكان هو نائبًا لرئيس التحرير. وكنت متحفظًا في البداية، أحاول أن أجد طريقة للتعامل معه لا تشبه طريقتي مع بقية الصحفيين في الصالة؛ فهو في النهاية نور الدين مدني، صاحب الاسم الكبير والقلب الكبير. لكن الأمر سهل عليّ حين اكتشفت أن أفضل طريق إليه هو مخاطبة قلبه الطيب بلطف… مهما كان الخلاف.

5

عاش نور حياة عريضة منذ أن كان باحثًا في مصلحة السجون، ومنها انتقل إلى جريدة الصحافة ضمن مجموعة “الأربعة عشر كوكبًا”. وكان يحكي قصة طريفة: إذ كتب جعفر محمد علي بخيت مقالًا بعنوان “لمن تدق الأجراس”، فرد عليه نور بمقال ناقد بعنوان “فعلاً… لمن تدق الأجراس؟”. وكانت نتيجة ذلك المقال أن اختاره جعفر محمد علي بخيت ضمن أربعة عشر طالبًا جامعيًا للعمل في جريدة الصحافة. ومن أشهر صحفيي تلك الكوكبة أستاذنا محجوب عروة.

6

ظل الأستاذ نور فاعلًا في الفضاء الصحفي، وعمل في معظم مناحي المهنة حتى أصبح رئيسًا لتحرير كبرى الصحف وقتها، جريدة الصحافة، قبل عام 2003. ورغم أنه ترك قبل سنوات المناصب التي كان يتبوأها في قمة الصحافة، فإنه لم يتخلَّ مطلقًا عن مهنيته ولا عن رسالته في إيصال “كلام الناس” إلى الناس والمسؤولين.

7

سيظل نور نموذجًا لصحفيين كثر كرسوا حياتهم للمهنة التي أحبوها، فأناروا الطريق للأجيال، وأضاءوا دروبهم في أوقات مظلمة تعيشها الصحافة اليوم.سيظل نور الدين مدني نموذجًا لجيل من الصحفيين الذين لم يتعاملوا مع الصحافة بوصفها مهنة فحسب، بل بوصفها رسالة وحياة كاملة. جيلٌ عاش في صالات التحرير، واختلف وتجادل وضحك وبكى، لكنه في النهاية كتب بضميرٍ حي، وظل وفيًا لكلمةٍ يراها حقًا.هذا الإخلاص للمهنة هو ما سيبقى ملهمًا في تجربة نور ومن كلام الناس.

رحمة الله عليك يا أستاذنا نور. ستظل فينا ذكرى طيبة؛ نبتسم كلما مرّ طيفك في خيالنا… ضحكةً وبسمة.

نم في سلام يا أستاذ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى