رأي

ما بين مصنع الشفاء و سلك والكيميائي….كيف يُعاد تدوير العقوبات على حساب الشعب؟

عبدالعزيز يعقوب-فلادليفيا

‏ayagoub@gmail.com

٢٨ يناير ٢٠٢٦

في السودان، لا تُقاس العقوبات بما يُكتب في قرارات الدول ولا بما يُقال في نشرات الأخبار، بل تُقاس بما يُنتزع من حياة الناس يومًا بعد يوم. تُقاس بمريضٍ يخرج من المستشفى بلا دواء، وبمزارعٍ يرى أرضه الخصبة عاجزة لأن السماد عالق خلف التحويلات، وبراعٍ يراقب قطيعه يذبل لأن اللقاح صار رهينة السياسة، وبأسرةٍ بات معاشها اليومي محكومًا بقرارات لم تُستشر فيها ولم تُفوَّض أحدًا لصياغتها.

العقوبات، في التجربة السودانية، لم تكن يومًا أداة عدل ولا وسيلة إصلاح. لم تُسقط نظامًا، لكنها أنهكت شعبًا. ولم تبدأ هذه العقوبات، كما يُراد أحيانًا اختزالها، في عهد حكمٍ شموليٍّ صرف، بل تعود بداياتها الأولى إلى حكومة الإمام الراحل الصادق المهدي، وهي حكومة ديمقراطية جاءت عبر صندوق الاقتراع، في سياق إقليمي ودولي معقّد. ومنذ ذلك الوقت، ظلت العقوبات تتقلب مع تعاقب الأنظمة، مدنيةً كانت أو عسكرية، وتشتد أو تخفّ، لكنها لم تغادر جسد البلاد، حتى بلغت مراحلها الأثقل في الفترات اللاحقة، وامتد أثرها حتى ما بعد حكومة الثورة ٢٠١٩ وما بعدها.

لم تُغيّر العقوبات طبيعة الحكم، لكنها غيّرت حياة الناس. لم تُسقط سلطة، لكنها أضعفت الدولة، وأفرغت الاقتصاد، وضيّقت على المجتمع حتى صار الصبر هو المورد الأكثر وفرة. ومنذ قصف مصنع الشفاء، لم يُدمَّر مبنى فحسب، بل قُصفت فكرة الاكتفاء، وتكريس أن السودان بلدٌ يُعاقَب حتى وهو ينزف.

تبدّلت الحكومات، وارتفعت الشعارات، وتغيّرت الوجوه، لكن المواطن ظل واقفًا في الصف ذاته، صف العلاج، وصف الوقود، وصف الانتظار. ولهذا، فإن استدعاء أسباب العقوبات من جديد، أو تغذيتها، ليس خطأً سياسيًا عابرًا، بل مساس مباشر بحق الناس في الحياة والكرامة.

من هنا، يصبح الخطر أفدح حين يخرج بعض أبناء السودان، من القيادات السياسية المعروفة، إلى المنابر الدولية، ويتحدثون عن اتهامات من أخطر ما عرفه القانون الدولي، وعلى رأسها الاتهام باستخدام الأسلحة الكيميائية. وقد صدرت هذه المواقف علنًا، وبالأسماء، عن شخصيات مثل خالد عمر يوسف (سِلِك) وبكري الجاك وغيرهما، وتداولتها الوسائط والإعلام على نطاق واسع.

وهنا يجب أن يُقال الكلام بوضوح لا يحتمل الالتفاف، الكلمة التي تُقال في الخارج لا تتبخّر، والحديث الذي يُسجَّل في المحافل الدولية لا يسقط بالتقادم، والاتهام، حين يُطلق، لا يبقى في ذمّة قائله، بل يُعلَّق في رقاب شعبٍ كامل، شعبٍ لم يُفوِّض أحدًا أن يتحدث باسمه، ولا أن يضعه في مواجهة عقابٍ جديدٍ يدفع ثمنه وحده.

قد لا تظهر النتيجة اليوم، وقد لا تُفرض عقوبة غدًا، لكن الملفات الدولية تُدار بعقلٍ بارد ونَفَسٍ طويل. تُحفظ لا لتُنسى، بل لتُستدعى. تُؤجَّل لا لتُغلق، بل لتُستخدم حين تتغيّر الموازين وتُطلب الذرائع. وعندها، لن يُسأل من قال ولا لماذا قال، بل سيُقال – بلا رحمة – إن أصواتًا من داخل السودان نفسها مهّدت الطريق، بينما كان الشعب، الذي لم يُستأذن ولم يُستشار، هو وحده من واجه الكلفة والعقاب.

العقوبات لا تنزل دفعة واحدة، بل تتسلّل. تبدأ بتشديد مصرفي، ثم تعطيل شحن، ثم خوف شركات، ثم انسحاب موردين. وفي النهاية، يظهر أثرها حيث لا تصل الخطب ولا البيانات: في صيدلية القرية. دواء السرطان لا يصل، علاج الكلى يتأخر، دواء الأطفال يُستبدل بنظير أقل جودة. المريض لا يعرف اسم السياسي الذي تحدث، ولا المنبر الذي استضافه، لكنه يعرف أن الألم طال، وأن العلاج غاب.

السياسي قد يراجع موقفه، وقد يبدّل خطابه، وقد يغادر المشهد كله. أمّا العقوبات، إذا ترسّخت، فلا تغادر بسهولة. تبقى مع المزارع في موسمه، ومع الراعي في قطيعه، ومع العامل في أجره اليومي، ومع الأسرة في خبزها ودوائها.

ولهذا، فإن النقاش هنا ليس نقاش نوايا. فالخيانة مفهوم ثقيل، يقوم على قصدٍ واعٍ، ولا يُثبت بالاختلاف السياسي. لكن السياسة لا تُقاس بحُسن النية، بل بحساب العواقب. وتجربة السودان لا تترك مجالًا للشك لان كل مسار يفتح الباب لتدويل العقاب، يدفع ثمنه الشعب أولًا وأخيرًا.

المعارضة، حين تكون فعلًا وطنيًا، يجب أن تعرف وزن الكلمة قبل أن تُطلقها، وأن تحسب كلفة الفعل قبل أن تُقدِم عليه. ليست كل أداة متاحة صالحة للاستخدام، وليست كل منبر دولي مساحة آمنة. فالوطن ليس ورقة تفاوض، والشعب ليس وسيلة ضغط.

السودان اليوم لا يحتمل مقامرات جديدة. لا يحتمل أن يُختبر مرة أخرى في مختبر العقوبات الطويلة. ما يحتاجه الناس ليس مزيدًا من الملفات المفتوحة في الخارج، بل نوافذ تُفتح للحياة في الداخل، دواء يصل في وقته، وبذرة تُزرع بلا خوف، وقطيع يُحصَّن، وسوق يتحرك بلا حصار، وتمويل لمشاريع صغيرة للشباب ليعودوا للإنتاج، ودعوة الي تصحيح المفاهيم والأخلاق وحب الوطن.

هذه ليست دعوة للصمت، ولا تبرئة لسلطة، ولا مصادرة لحق المعارضة، لكنها تذكير صارم بأن الخط الفاصل بين المعارضة المسؤولة والمقامرة الوطنية خطٌّ رفيع، إذا كُسر، لا ينزف السياسي، بل ينزف الوطن كلّه. ومن جرّب العقوبات مرة، يعرف أن أقسى ما فيها أنها لا تُعاقب من يُخاصِم، بل تحول حياة الشعب الي مسغبة وضنك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى