ما الذي يبقى منّا؟

روح متجددة

بقلم: عصماء عاصم

في حياة الإنسان أشياء كثيرة يظنّها جديرةً بالبقاء؛ اسمٌ يسعى إلى ترسيخه، وصورةٌ يحرص على تحسينها، ومكانةٌ يخشى أن يفقدها. يمضي في جمع ما يثبت حضوره، كأنّ الوقت متّسعٌ لكلّ ما يؤجّله، وكأنّ الحياة ستمنحه دائمًا فرصةً أخرى ليقول ما لم يقله، ويصلح ما أفسده، ويبدأ ما ظلّ يؤخّره.

لكنّ المسافة بين الحضور والغياب أقصر ممّا نتصوّر؛ فقد تنتهي الحكاية قبل أن يفرغ الإنسان من ترتيب أولوياته، ويسكن الضجيج الذي استغرقه طويلًا، بينما تظلّ أشياء من فعله تمضي في العالم، لا تتوقّف بانتهاء حضوره.

وهنا تكمن المفارقة؛ فليس كلّ ما يعلو صوته يبقى صداه، ولا كلّ من اتّسع حضوره امتدّ أثره. قد يمضي المرء فلا يبقى منه سوى ذكرى عابرة، وقد تظلّ من آخر أعمالٌ صغيرة لا يكاد يلتفت إليها أحد، لكنها تغيّر حياة إنسان، أو تفتح بابًا من الخير، أو تترك في نفسٍ أثرًا لا تمحوه الأعوام. وعلى الضفة الأخرى، قد يبقى من الإنسان أذًى يتجدّد، وجرحٌ لم يندمل، ونتائج لم يعد في وسعه أن يعود لإصلاحها.

ولعلّ ما يغيب عنّا، ونحن منشغلون بصناعة صورتنا في أعين الآخرين، أنّنا نصنع في الوقت نفسه شيئًا من ملامح غيابنا؛ فالأثر لا يتشكّل في اللحظة الأخيرة، بل في اختياراتنا اليومية، وفيما نمنحه أو نحجبه، وفي الكلمات التي نطلقها ثم نمضي، دون أن نعلم إلى أين ستبلغ.

يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾. وهنا يتجاوز المعنى حدود الذكرى بين الناس؛ فليست العبرة أن يبقى الاسم متداولًا، ولا أن تطول السيرة، بل بما تحمله أعمالنا وآثارنا في ميزان الله. وقد ينتهي زمن الفعل، بينما يظلّ أثره ممتدًّا، خيرًا كان أم شرًّا.

لذلك، ليس السؤال كم سيطول ذكرنا، بل بأيّ شيءٍ سنُذكر، وما الذي نتركه خلفنا حين تنتهي قدرتنا على التغيير. ففي الحاضر متّسعٌ لردّ الحقوق، وجبر الخواطر، وإصلاح ما يمكن إصلاحه، وزرع ما نرجو أن يستمرّ نفعه بعدنا.

فما الذي يبقى منّا حين لا يعود في أيدينا شيء؟ أعملٌ نرجو أن نلقاه، أم أثرٌ نتمنّى لو أنّنا استطعنا إصلاحه؟

↑
Exit mobile version