ما الذي يبقى بعد أن نعبر؟

روح متجددة

بقلم: عصماء عاصم

ليست كل الأشياء التي نعبرها تتركنا في الضفة الأخرى كما كنّا.

ثمّة ما نعبره بأقدامنا، ويبقى فينا. وثمّة ما نظن أن أيامه انقضت، فإذا بالزمن لم يأخذه معه، وإنما وارى أثره تحت طبقات جديدة من الأيام.

ولعل الإنسان لا يُمتحن دائمًا بما يفقد، بل بما يضطر إلى مواصلة الحياة بعد فقده.

فثمّة صدمات لا تُسمع لها جلبة حين تقع. قد يجلس صاحبها بين الناس، يؤدي يومه، يجيب عن الأسئلة، ويبتسم حيث ينبغي للابتسام أن يكون؛ بينما في داخله شيء آخر تمامًا، شيء لم يجد بعد اللغة التي تصف ما حدث.

ولهذا ليس غريبًا أن يتأخر البكاء.

فالنفس البشرية لا تستجيب للألم على وتيرة واحدة. قد يصل الخبر إلى العقل قبل أن يبلغ القلب، وقد ينشغل الإنسان في لحظة الصدمة بالتماسك، ثم تأتي المشاعر حين يهدأ الخطر، أو حين يخلو المرء إلى نفسه، فلا يبقى حوله ما يضطره إلى التظاهر بأنه بخير.

وربما لهذا نعود أحيانًا إلى ما نعرف أنه سيؤلمنا.

نفتش خلف التفاصيل، نعيد قراءة الكلمات، نستحضر المشهد، ونطارد السبب، مع أننا نعرف أن العثور عليه قد لا يردّ إلينا شيئًا.

لماذا؟

لأن النفس لا تحب النهايات المبتورة. تريد تفسيرًا لما حدث، وترتيبًا للفوضى التي خلّفها، وكأنها إذا عثرت على التفصيل الناقص استطاعت أن تعيد الزمن إلى موضعه الأول.

لكن بعض الأبواب لا تُفتح، مهما أكثرنا من طرقها.

وهنا تبدأ المعركة الأشدّ: ليست مع ما حدث، وإنما مع ما نقوله لأنفسنا بعد حدوثه.

نقول: «أنا راضٍ بقضاء الله».

لكن هل الرضا يعني ألا نحزن؟

وهل الصبر أن نُحسن إخفاء دموعنا؟

وهل الإيمان يُقاس بقدرتنا على أن نبدو بخير؟

لعلنا حمّلنا الرضا معنى لا يحتمله.

فالرضا بالقضاء ليس أن يحب الإنسان مصيبته، ولا أن يستلذّ ألمه، ولا أن يتوقف قلبه عن الانكسار. الرضا أعمق من ذلك: أن يتألّم القلب دون أن يخاصم ربّه، وأن تضيق النفس دون أن يسقط اليقين.

يعقوب عليه السلام لم يكن قليل الصبر حين قال: «إنما أشكو بثي وحزني إلى الله». كان حزينًا، وكان صابرًا، وكان قلبه، في أشدّ انكساره، معلّقًا بالله.

وهنا تتبدّل صورة الصبر في أذهاننا.

الصبر ليس أن يتحول الإنسان إلى حجر.

الصبر أن يبقى إنسانًا؛ بكل ما في الإنسانية من ضعف ودموع وحنين، ثم لا يجعل انكساره اعتراضًا على من بيده الأمر كله.

أما التقبّل، فله شأن آخر.

أن تقول: «لقد حدث الأمر» ليست كأن تقول: «لقد أحببت ما حدث».

قد نعترف بالحقيقة دون أن نتصالح مع تفاصيلها، وقد نوقن أن ما وقع لن يتغير، بينما يظل في القلب سؤال قديم: لماذا؟

وهذا لا يجعلنا ضعفاء.

فالمرء يستطيع أن يؤمن بأن ما وقع قدر، وأن يتمنى في الوقت نفسه لو أن الطريق جاء على صورة أخرى. يستطيع أن يبكي ما فقد، دون أن يعترض على من قدّر. يستطيع أن يقول: «يا رب، أنا لا أفهم»، دون أن تكون في قوله شبهة: «يا رب، أنا لا أثق بك».

ولعل الرضا الحقيقي أقل صخبًا مما نظن.

لا يحتاج إلى إعلان، ولا إلى وجه مصطنع لا يعرف الحزن، ولا إلى جملة محفوظة تُستدعى كلما انكسر شيء.

قد يكون الرضا أن تكفّ عن محاكمة الماضي.

أن تتوقف عن استنزاف قلبك بأسئلة: ماذا لو قلت؟ ماذا لو بقيت؟ ماذا لو انتبهت مبكرًا؟ ماذا لو اتخذت قرارًا آخر؟

فبعض «ماذا لو» ليست أسئلة تبحث عن إجابة، وإنما أبواب نعيد فتحها على جرح أغلقناه بصعوبة.

ثم تأتي كلمة أخرى نستخدمها كثيرًا: التخطّي.

كأن الإنسان، إذا مرّت عليه مدة كافية، وجب عليه أن يكون قد انتهى.

لكن هل نتخطى حقًا؟

أم أننا نتعلم كيف نعيش دون أن نحتاج إلى محو كل أثر؟

قد تمر سنوات، ولا يعود الشيء يؤلمك كما كان، لكنه لا يصير عدمًا. تتذكره فلا تنهار، تسمع اسمه فلا يتبدل يومك، وتمر بالمكان نفسه دون أن تتوقف؛ لا لأنك محوت ما حدث، بل لأنك لم تعد تسكن داخله.

وهنا لعل العبور الحقيقي.

ليس أن نخرج من التجربة كما دخلناها، ولا أن نمحو ما صنعت فينا، وإنما أن نضعها في حجمها الصحيح؛ فلا نجعلها حياتنا كلها، ولا ننكر أنها كانت جزءًا منها.

ولهذا لا ينبغي أن نقيس الناس بسرعة تعافيهم.

هناك من يستيقظ صباحًا، يرتدي ثيابه، يذهب إلى عمله، ويبدو كأنه عبر الأمر في ليلة واحدة. وهناك من يحتاج وقتًا أطول حتى يعيد ترتيب ما بعثره الألم في داخله.

وليس بالضرورة أن يكون الأول أقوى، ولا الثاني أضعف.

فبعض الناس لا يتعافون أسرع؛ هم فقط أتقنوا مواصلة يومهم وهم يحملون ما لا يراه أحد.

وقد يكون الإنسان الذي يبدو لك أكثر الناس قدرة على تجاوز الألم، أكثرهم مهارة في إخفائه.

ثم إن الحياة لا تجري دائمًا وفق ميزاننا البشري للعدل.

ليس كل من أحسن النية نجا من الأذى، ولا كل من حفظ قلبه من أذى الآخرين حُفظ قلبه من الألم. قد يخرج إنسان من قصة لم يؤذِ فيها أحدًا، محمّلًا بأثقل ما فيها.

لكن الألم ليس شهادة إدانة.

وليس كل ما يصيب الإنسان دليلًا على أنه استحقّه.

في الإيمان، قد يكون البلاء رفعًا، وقد يكون ابتلاءً، وقد يكون تنبيهًا، وقد تكون حكمته مما لا تراه أعيننا. وليس لنا أن نختصر كل مصيبة في تفسير واحد، أو نزعم أننا نعرف لماذا اختار الله لهذا الإنسان هذا الطريق.

فثمّة أقدار لا نفهمها ونحن داخلها.

وربما لا نفهم بعضها إلا بعد أعوام، وربما لا نفهم بعضها في الدنيا أصلًا.

وهذا هو الجزء الذي لا تحبه النفس البشرية: أن بعض الأسئلة قد تبقى أسئلة.

نريد نهاية منطقية لكل شيء.

نريد أن نعرف لماذا رحل فلان، ولماذا لم تأتِ الفرصة، ولماذا انكسر الطريق في الموضع الذي حسبناه أكثر أمانًا.

لكن الإيمان لا يعدنا بأن نعرف كل الأسباب؛ وإنما يعلّمنا أن الله لا يضيع عنده شيء.

وهذا فرق هائل.

أن لا أفهم، لا يعني أن الأمر بلا معنى.

وأن أتألم، لا يعني أنني لم أرضَ.

وأن أتذكر، لا يعني أنني لم أتخطَّ.

وأن أبكي بعد سنوات، لا يعني أنني عدت إلى البداية.

ربما نحن نضع التعافي في صورة خاطئة.

نظنه نقطة يصل إليها الإنسان، ثم لا يعود بعدها إلى الوراء.

بينما هو، في كثير من الأحيان، طريق تتغير فيه المسافة بيننا وبين ما حدث.

في البداية يكون الشيء أمامنا مباشرة، يحتل المشهد كله.

ثم يبتعد قليلًا.

ثم يصبح جزءًا من الصورة.

ثم يأتي يوم نراه بوضوح، لكننا لا نعيش داخله.

وهنا يكون العبور الحقيقي.

أن تمنح التجربة مكانها، لا حياتك كلها.

أن تحمل أثرها دون أن تجعلها هويتك.

أن تعرف أن ما حدث ترك فيك شيئًا، لكنك لست ذلك الشيء.

فما الذي يبقى بعد أن نعبر؟

ربما تبقى ندبة لا تؤلم كل يوم.

وربما تبقى حكمة لم نطلبها.

وربما يبقى سؤال لن نجد له جوابًا.

وربما يبقى فينا شيء أكثر هدوءًا من كل ذلك: يقين بأن الإنسان يستطيع أن يحمل ما ظن يومًا أنه لن يستطيع حمله، وأن الأيام لا تمحو كل شيء، لكنها تعلّم القلب كيف يضع الأشياء في مواضعها.

ولعل أجمل ما يمكن أن نصل إليه ليس أن نقول: «لقد نسيت».

بل أن نقول:

لقد حدث.

وأوجعني.

وغيّر شيئًا فيّ…

ثم واصلت.

فربما ليس العبور أن نخرج من الطريق بلا ندوب، وإنما أن نمضي وقد تعلّمنا ألا نجعل الندبة دليلًا على أننا ما زلنا عالقين في الجرح.

فإذا كان بعض ما نعبره يبقى فينا، وإذا كانت بعض الأقدار لا تمنحنا تفسيرًا كاملًا، وإذا كان القلب يستطيع أن يحزن ويرضى، وأن يتذكر ويمضي…

فهل يكون التخطّي أن ننسى ما حدث، أم أن نصل إلى يومٍ نتذكره فيه دون أن يعيدنا إلى الوراء؟

Exit mobile version