ما الذي تغيّره انتخابات الكونغرس في حرب السودان؟.

فيما أرى
عادل الباز
1
تابع قطاع واسع من السودانيين الانتخابات النصفية للكونغرس، بل إن بعضهم نسي الحرب والمسيّرات، وأصبحت الانتخابات الأمريكية ضمن أجندة النقاش اليومي، مع متابعة دقيقة للتفاصيل. لماذا فرح السودانيون بفوز الديمقراطيين؟ ولماذا الاهتمام بها أصلًا؟
الحقيقة أن السودانيين لم يكونوا وحدهم الذين تابعوا الانتخابات الأمريكية واهتموا بها، بل تابعها العالم أجمع؛ والسبب أن التغيير في أي اتجاه في السياسة الأمريكية يعني تغيير مصائر كثير من البشر في العالم، ويؤثر في علاقات الدول. فمثلًا، تأثرت إفريقيا بالسياسات الأمريكية الترامبية التي تنزع إلى نهب الثروات الإفريقية، على نحو ما فعله ترامب في الكونغو الديمقراطية، إضافة إلى أنه أوقف المساعدات الأمريكية بإغلاق الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID).
وفي أوروبا، جعل ترامب وحليفه نتنياهو، بسياستهما العدوانية، الحياة لا تُطاق بفعل التضخم الذي صنعته حروبهما المتصلة، مما جعل أوروبا تتفجر الآن بما يشبه الثورات المستمرة. وفي أغلب أرجاء أوروبا، يمكن تفهّم الارتياح لتقييد إدارة لا يثق بها الناس؛ أما منح الحزب البديل ثقة مسبقة، فالتاريخ السوداني لا يبرره. و الأجدى أن يتعامل السودان مع الحزبين بمطالب ومصالح واضحة، وأن يحكم عليهما بما يفعلانه. وكذلك فعلت سياساته البلطجية في أمريكا اللاتينية، التي وصلت إلى حد اختطاف رئيس دولة، وسياساته الاقتصادية المتغطرسة تجاه كندا والصين وغيرهما. باختصار، حوّل حياة الناس على كوكب الأرض إلى جحيم؛ ولذا اعتبروا أن هذه الانتخابات الأمريكية شأن يخصهم، كأنها تجري في أوطانهم.

2
يبدو لي أن السودانيين — وهم جزء من هذا الكوكب — تأذّوا من السياسات الأمريكية، وخاصة في مرحلة ما بعد الحرب؛ إذ أحسّوا أن الإدارة الأمريكية متماهية مع المليشيا، وذلك بسبب الأموال الفاسدة التي يتلقاها ترامب وأبناؤه من الإمارات، كفيلة المليشيا. فكل القرارات والسياسات التي اتخذتها إدارة ترامب كانت تصب في صالح المليشيا، وأولها المساواة في خطابها السياسي بين الجيش — المؤسسة القومية المقدسة عند السودانيين — ومليشيا متمردة ارتكبت الإبادة، بحسب ما قاله الأمريكيون أنفسهم على لسان وزير الخارجية روبيو. ثم تدفقت العقوبات الأمريكية باتجاه الرئيس البرهان وكثير من الشخصيات القيادية في الدولة، ثم جاءت محاولة نزع الشرعية عنه، بل حتى رفض دخوله إلى أمريكا لحضور اجتماعات الأمم المتحدة. ويُضاف إلى كل ذلك تعيين ترامب سمسارًا مرتشيًا وعميلًا، هو مسعد بولس، لتنفيذ سياسات الإمارات ودعم عدوانها عبر سلسلة من المبادرات المختلفة. لكل ذلك، فرح السودانيون بسقوط الحزب الجمهوري ومن يمثله، بغض النظر عن البديل الذي سيأتي، والذي لن يكون أسوأ مما هو كائن.

3
إن أفضل ما حصل في هذه الانتخابات هو قصقصة أجنحة الحزب الجمهوري الخارجية؛ إذ إنه سيركز، فيما تبقى من فترة ترامب، على القضايا الداخلية، في محاولة لإنقاذ الحزب من السقوط المريع الذي ينتظره بعد عامين في انتخابات الرئاسة، التي ستطوي صفحة ترامب نهائيًا، وقد تطوي معه فرصة الحزب الجمهوري في الفوز بالرئاسة مجددًا. وتركيز الحزب على قضايا الداخل — كما هو متوقع — سيجعل السودان يعمل بعيدًا عن الضغوط الأمريكية؛ إذ لن يكون السودان ضمن أجندة الإدارة الأمريكية في المرحلة المقبلة.
من المتوقع أيضًا أن يثير الديمقراطيون كثيرًا من القضايا التي تفرض ضغوطًا على الإمارات، مثل قضايا فساد كثيرة تخص كوشنر، صهر ترامب، ومسعد بولس، اللذين تُتهم الإمارات برشوتهما. ومعلوم أن الديمقراطيين يركزون جهودهم على قضايا حقوق الإنسان؛ ولذلك من المتوقع أن يضعوا المليشيا وكفيلها تحت ضغط مستمر، بمساءلة الإدارة الأمريكية الحالية عن الانتهاكات التي ترتكبها المليشيا، وعن الأسلحة التي ترسلها الإمارات وتغذّي بها الصراع في السودان، والتي تُرتكب بها جرائم الإبادة فيه وفي مناطق أخرى من العالم.
4
صحيح أن هناك سجلًا طويلًا من التاريخ السيئ في أغلب عهود الديمقراطيين؛ فمثلًا، في عهد بيل كلينتون، أُدرج السودان على قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 1993م، وفُرضت العقوبات الاقتصادية الواسعة عام 1997م، وضُرب مصنع الشفاء عام 1998م. وهذه وقائع ثقيلة في الذاكرة السودانية، لكن السجل نفسه يذكر أن أوباما بدأ مسار رفع بعض العقوبات في يناير 2017م، كما أن اسم السودان أُزيل من قائمة الإرهاب في عهد ترامب في ديسمبر 2020م. ولكن، الآن، من المتوقع أن تتقاطع سياسات الإمارات العدوانية والتدخلية في الخارج.
إن أفضل ما يمكن أن يتيحه فوز الديمقراطيين هو قصقصة أجنحة الإدارة في المجالات التي يستطيع الكونغرس التأثير فيها: الرقابة، والاعتمادات المالية، والتشريع، والموافقة على التعيينات الجديدة في مجلس الشيوخ. أما القول إن هذه النتيجة ستجعل ترامب ينصرف إلى الداخل، وتترك السودان بعيدًا عن الضغوط الأمريكية، فهو توقع لا يصح الاطمئنان إليه.
فالرئاسة لم تنتقل إلى الديمقراطيين، وترامب سيبقى صاحب سلطات واسعة في السياسة الخارجية.
كما أن أغلبية الكونغرس لا تكفي وحدها لفرض كل ما يريده الديمقراطيون. فالرئيس يملك حق النقض، وتجاوزه يحتاج إلى أغلبية أوسع من الأغلبية العادية. وستبقى بعض القرارات محتاجة إلى تعاون جمهوري، وبعضها الآخر إلى تنفيذ من الإدارة التي يعارضها الكونغرس..
يستطيع الكونغرس أن يطلب معلومات عن تدفقات السلاح، وأن يسائل الإدارة عن معايير العقوبات، وأن يناقش شروط صفقات التسليح، وأن يضغط لتمويل الإغاثة وحماية وصولها. وقد يفتح مجالًا أوسع لفحص المصالح والصفقات التي تؤثر في صناعة القرار الآن، علينا قراءة هذا المتغير في السياسة الأمريكية، ومعرفة كيفية الاستفادة منه، وتحديد المداخل المناسبة للاتصال بالسيناتورات الجدد في الكونغرس، وتوفير الشروح والمعلومات اللازمة التي تعينهم على فهم ما يجري في السودان، مع التركيز على طبيعة الصراع، والتدخلات الخارجية، والجرائم التي ارتكبتها المليشيا، وتدخلات الإمارات ودورها الكارثي في إطالة أمد الصراع. لو كنت مكان وزير الخارجية، لأصدرت فورًا قرارًا بتكوين لجنة للتواصل مع الأعضاء الفاعلين في الحزب الديمقراطي، وخاصة الشباب، حتى تكون لديهم، عند تبوّئهم مقاعدهم في يناير المقبل، صورة واضحة لما يجري في السودان.. ..
نفرح، نعم، لأن فرصة جديدة للمساءلة قد فُتحت. ولكن الفرصة لا تعمل وحدها بمجرد ظهورها. نفرح، ثم نعمل؛ ونحكم على الحزبين بما يفعلانه، لا بما نأمل أن يفعلاه

↑
Exit mobile version