رغم المتغيرات الكثيرة التي واجهت مسيرة نائب رئيس مجلس السيادة ورئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، “مالك عقار”، لم تخب عزيمته، ولم يتراجع عن الفكرة التي حملها طويلاً؛سودان جديد يتجاوز أزماته القديمة ويعيد بناء دولته على أسس مختلفة.
خصومه السياسيون يقولون إنه ابتعد عن شعاراته وأفكاره القديمة، لكن “عقار”، في حديثه أمس، بدا وكأنه يرد عليهم بطريقته الخاصة. لم يتخل عن شعاراته، لكنه أضاف إلى دفتر رفاق مسيرته السياسية الطويلة اسماً لم يكن مألوفاً في تلك الصفحة، الجنرال “عبد الفتاح البرهان”.
كان واضحاً أن “عقار” يكن لرئيس مجلس السيادة وقائد الجيش قدراً كبيراً من الإعجاب. تحدث عنه بمودة كبيرة، ووصفه بأنه “قائد شجاع، متواضع، يعمل وسط جنوده”،ثم حكى قصة قال فيها إنه وجد “البرهان” بين جنوده يعمل “بالمرزبة”.
في بيت الضيافة بشارع الجامعة، حيث مقر إقامة نائب رئيس مجلس السيادة، كان المكان مساء أمس يعج بحوار صحافي مختلف. مجموعة من قادة الرأي العام المشاركين في ملتقى الإعلاميين جلسوا أمام “عقار” في حوار أداره الأستاذ والأخ العزيز “مجدي عبد العزيز”.
كان “عقار” مسترخياً. بدا النصر على محياه، ومفعماً بالأمل رغم العواصف التي تحيط بالبلاد.
تحدث الرجل طويلاً عن الحرب، والدولة، والجيش، والحوار، ووحدة السودان، وعن المستقبل الذي يراه ممكناً بعد هذه الحرب، وأن السودان في هذه المرحلة يحتاج، قبل كل شيء، إلى الدولة، ووحدة الدولة، وتماسك مؤسساتها.
كان متفائلاً بالحوار السوداني – السوداني، ومؤيداً له بشدة، ويرى أن التعامل مع الأزمة لا يمكن أن يظل عسكرياً فقط، وإنما يحتاج إلى رؤية سياسية موازية للمواجهة في الميدان.
وفي واحدة من أكثر رسائله وضوحاً، قال عقار إنه “لا بديل لخيار الجيش الواحد في السودان”.مؤكداً أن الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا ستدمج قواتها في القوات المسلحة بنهاية الحرب. وقال: “الحركة الشعبية دمجت كل قواتها في الجيش السوداني، وحالياً لا أمتلك جندياً واحداً خارج القوات المسلحة”.
هذه العبارة لا تقرأ بمعزل عن الشعارات التي رفعها “عقار” والحركة الشعبية طوال سنوات. فالسودان الجديد، لم يكن مجرد دعوة إلى تغيير الحكومة أو إعادة توزيع المناصب، بل كان مشروع لإعادة تأسيس الدولة على قاعدة المواطنة، وإنهاء احتكار المركز للسلطة، وإخضاع المؤسسات العسكرية والسياسية لبنية وطنية جديدة.
غير أن المسافة بين الشعار القديم والموقف الحالي تظل حاضرة. فالرجل الذي كان يتحدث من موقع الحركة المسلحة عن ضرورة تغيير بنية الدولة، يقف اليوم إلى جانب الجيش، ويدافع عن تماسك مؤسساته، ويضع حسم الحرب في مقدمة الأولويات.
هنا نطرح تساؤلات على موقف “عقار” : هل نحن أمام تطور سياسي فرضته ظروف الحرب، أم أمام تناقض مع جوهر الخطاب السابق؟
الأقرب أن موقف “عقار” هو تطور سياسي من حيث انتقاله من موقع المعارضة المسلحة إلى موقع المسؤول الثاني داخل الدولة، ومن حيث إدراكه أن بناء السودان الجديد،لا يمكن أن يتم في ظل تعدد الجيوش وانهيار مؤسسات الدولة.
يبدو أن “عقار” ينظر إلى الحوار باعتباره جزءاً من معركة ما بعد الحرب، لا بديلاً عن حسمها، خصوصاً أن رؤيته تقوم على إعادة بناء الدولة وتماسك مؤسساتها، ثم الانتقال إلى معالجة جذور الأزمة السياسية. وهذا الترتيب يكشف تحولاً مهماً في أولوياته، فقد صار يرى أن إصلاح الدولة يسبق إعادة توزيع السلطة، وأن إنهاء تعدد مراكز القوة شرط لأي مشروع سياسي جديد.
هكذا بدا “مالك عقار” في بيت الضيافة بشارع الجامعة، رجل الحركة الشعبية القديم، الذي لم يتخل عن حلم “السودان الجديد”. لكنه يقف اليوم في الصف ذاته مع الجيش، ويضع وحدة الدولة فوق كل شيء، ويرى في الحرب، رغم مآسيها، لحظة لإعادة تشكيل السودان.
وبين “السودان الجديد” الذي حمل شعاره طويلاً، و”الجيش الواحد” الذي يصر عليه اليوم، تبدو رحلة “عقار” السياسية أكثر من مجرد انتقال من ضفة إلى أخرى؛ إنها رحلة رجل أعاد تعريف موقعه داخل الدولة، من موقع المعارضة المسلحة إلى مؤسساتها، دون أن يقول إنه تخلى عن الحلم القديم. غير أن بقاء هذا الحلم حياً، مرتبطاً بمدى قدرة الموقف الجديد على تحويل وحدة الدولة إلى مدخل للإصلاح، وليس غطاء لتأجيله.