فيما ارى
عادل الباز
1
كادوقلي ليست مدينة عادية في الجغرافيا العسكرية والسياسية للسودان؛ فهي مفتاح جبال النوبة، وعقدة القيادة والسيطرة في جنوب كردفان. تأمينها لا يعني فقط إنقاذ مدينة من حصار طويل، بل منع الخصم من تحويل الإقليم إلى عمق آمن أو منصة تهديد للطرق الغربية والجنوبية، وربط مسارح العمليات في كردفان ودارفور.
2
فك حصار كادوقلي، إلى جانب تحرير مدن وفك حصارات أخرى، يؤكد أن الاستراتيجية العسكرية التي اتبعتها القوات المسلحة – بتكتيكاتها المتعددة – اتسمت بالواقعية، وبسياسة النفس الطويل والصبر الاستراتيجي. وهي استراتيجية حافظت، في أصعب المراحل، على تماسك القوات ومعنويات الجنود، حتى في لحظات التراجع أو الانسحاب، وسط خيانات وضغوط هائلة إقليمية وداخلية.
وقد قامت هذه الاستراتيجية على مبدأ إضعاف العدو لا التمسك بالأرض؛ فالأرض – كما أثبتت الوقائع – تعود عندما يُهزم العدو، وهو ما حدث بالفعل: اندحر الخصم وعادت المدن تباعًا.
3
عندما تشتتت قوات الميليشيا في مساحات شاسعة بلا هدى، عمل الجيش على تطويقها ميدانيًا عبر خنق شرايين الإمداد، وقطع خطوط الحركة والتموين. وفي الجو، اتجهت القوات المسلحة إلى ضرب عصب الميليشيا: تحركاتها العشوائية، وانتشارها غير المنضبط، وغياب أي عقيدة عسكرية أو هدف استراتيجي واضح.
اعتمد الجيش في ذلك تكتيكات متعددة الطبقات، من بينها: أولها مباغتة العدو بالوصول إليه في مناطق يجهلها، خاصة في الجبال، ثم تطويقه وعزله، ثم استثمار النصر والانتقال إلى المرحلة التالية.
وقد تجلّى ذلك بوضوح في فك حصار الدلنج، الذي كان خطوة تمهيدية محسوبة، وصولًا إلى فجر اليوم الذي تم فيه فك حصار كادوقلي.
وفي اتصال هاتفي لي مع اللواء الساير، قائد الفرقة (14) بكادوقلي، عقب فك حصار الدلنج، أكد أن التخطيط يتجاوز كادوقلي نفسها، باعتبار أن فك حصارها أصبح «في حكم المنتهي». ويعكس هذا التصريح البعد الاستراتيجي للتخطيط العسكري، الذي ينظر إلى المعارك نظرة كلية تشمل جميع مسارح العمليات في السودان، لا كجزر منفصلة.
الآن… ماذا يعني فك حصار كادوقلي عمليًا؟
4
كان آلاف الجنود محاصرين داخل كادوقلي، يعانون نقصًا في الإمداد بالسلاح والعربات والتشوين. فك الحصار يعني تحرير قوة عسكرية ضخمة أصبحت الآن مسلّحة ومتحركة، وإعادة دمجها في مسار العمليات، ودفعها إلى ساحات القتال في غرب كردفان وتخوم دارفور.
كما يعني استعادة حرية الحركة والإمداد (وقود، ذخائر، غذاء)، وتحويل المدينة من عبء دفاعي إلى قاعدة انطلاق.
5
يعني فك الحصار أن المدينة التي عانت مرارة الحصار لأكثر من عام قد استعادت عافيتها. وهذا هو السر الحقيقي وراء الخروج الجماهيري الواسع، أمس، لأهل كادوقلي لاستقبال طلائع متحرك «الصياد».
كما أن فك الحصار يفتح الطريق أمام المنظمات الإنسانية للدخول الآمن، وينهي عمليًا الجدل حول «هدنة إنسانية» لإيصال الإغاثة.
اليوم هناك طريق آمن من الدلنج إلى كادوقلي، وهدنة واقعية فرضها الميدان لا الاتفاقيات: تفضلوا يا منظمات إنسانية… الطريق مفتوح.
في البعد السياسي، يعني فك الحصار عن واحدة من أهم مدن كردفان تعزيز شرعية الدولة، ونقل الصراع من حالة «مراكز محاصَرة» إلى معركة بسط سلطة الدولة وحماية المدنيين.
كما أنه يرسل رسالة بليغة للداعمين الخارجيين للميليشيا: مهما فعلتم وصرفتم، فهذه الميليشيا لن تصمد أمام الجيش وإرادة الشعب.
فك حصار كادوقلي يعني أيضًا أن أي عملية سياسية قادمة – سواء وقف نار أو مسارات إنسانية – ستُدار الآن من موقع تفاوضي أقوى، مع تقليص قدرة الخارج على فرض حلول قسرية، أو صيغ إدارة موازية، أو ترتيبات تتجاوز الدولة.
6
يتضح من هذا السرد أن فك حصار كادوقلي ليس حدثًا عسكريًا معزولًا، بل تحولًا استراتيجيًا سيعيد رسم ميزان القوة ميدانيًا، ومن شأنه أن يعدّل شروط التفاوض سياسيًا. ومن جانب آخر، يؤكد أن الصبر الاستراتيجي، حين يُدار بعقلانية، يمكن أن يهزم الفوضى مهما طال الزمن.
الآن ماذا بعد فك الحصار؟ ان إدارة الاوضاع ما بعد النصر لاتقل اعمية عن معركة فك الحصار نفسها. فالتحدي القادم لا يتمثل فقط في منع عودة الحصار، بل في تحويل المكسب العسكري إلى حالة ردع دائم، عبر تأمين المحيط، وضبط السلاح، واستعادة الخدمات، وإشراك المجتمعات المحلية في حماية الاستقرار. إن نجاح الدولة في كادوقلي كنموذج لإدارة ما بعد المعركة سيبعث برسالة حاسمة مفادها أن الجيش لا يحرر المدن ليغادرها، بل ليستعيد معها القانون، والخدمة، والطمأنينة. وحين تقترن القوة العسكرية بحسن الإدارة، يصبح النصر غير قابل للانتكاس، وتتحول المدن المحررة من ساحات صراع إلى ركائز استقرار وارتكاز للدولة الوطنية
7
حين كان أسود الجبال يصعدون أعاليها ليحرروا المدن ويفكّوا أسرها من ميليشيا الجنجويد، كان كل الخائنين الخائبين يطوفون مدن الغرب، يحرضون ضد وطنهم، ويستجدون الهدنة، ويدافعون عن أسيادهم.
للخيانة ألف وجه، أما خيانة جماعة «صمود» لوطنها فلا وجه لها، ولا دين، ولا أخلاق.
8
الآن السؤال الذي يواجه الميليشيا وحلفائها وداعميها:
«إذا سقط رهان الحصار في أكثر تضاريس السودان وعورة (جبال النوبة)، فأين المفر للميليشيا في السهول والمناطق المفتوحة؟» كلا… لا وزر.