لا هاتف في يدك، ولا رسالة تنتظرها، ولا مقطع تتبعه، ولا نافذة مفتوحة على عالم آخر. فقط أنت، ووقت لا يطلب منك شيئًا.
ربما يبدو السؤال بسيطًا، لكننا لو حاولنا الإجابة عنه بصدق، قد نكتشف أن الأمر لم يعد بهذه السهولة.
فقد أصبحنا نملأ الفراغ قبل أن نشعر به. ننتظر المصعد فنفتح الهاتف، ننتظر الطعام فنقلب الشاشة، نمشي فنضع سماعة في آذاننا، وقبل أن ينتهي مشهد واحد في حياتنا، نكون قد انتقلنا إلى عشرة مشاهد من حياة الآخرين.
كأننا لم نعد نخاف من الملل بقدر ما نخاف ما قد يظهر لنا حين لا يكون هناك شيء يشغلنا.
فحين يهدأ الخارج، يبدأ الداخل في الكلام.
وهنا تأتي المفارقة: ما نسميه «لا شيء» قد لا يكون لا شيء على الإطلاق.
ففي الدماغ شبكة عصبية تُعرف باسم شبكة الوضع الافتراضي، ترتبط بالتفكير الداخلي، واسترجاع الذكريات، وتخيل المستقبل، وتأمل الذات، وما نعرفه بشرود الذهن. وتشير المراجعات العلمية إلى أن العقل، حين لا يكون منشغلًا بمهمة خارجية محددة، لا يتحول إلى غرفة فارغة؛ بل قد ينصرف إلى ذكريات وصور وأفكار وتوقعات، كأنه يواصل عمله في اتجاه آخر.
أي أن الجسد قد يكون ساكنًا، بينما العقل يعيد ترتيب أشياء كثيرة في الخفاء.
ربما لهذا تأتي بعض الأفكار في الطريق إلى البيت، أو أثناء الاستحمام، أو ونحن نحدق من النافذة بلا غاية واضحة. ليس لأن العقل كان خاملًا، بل لأنه أخيرًا أُعطي مساحة ليتحرك دون أن يمسك أحد بيده ويقول له: انظر هنا.
وقد وجدت أبحاث في علم النفس ارتباطًا بين بعض أشكال شرود الذهن والقدرة على توليد أفكار جديدة، خصوصًا حين يكون العقل حرًا في الانتقال بين أشياء بعيدة عن بعضها. لكن الأمر ليس بهذه البساطة؛ فليس كل شرود مفيدًا، وليس كل ملل طريقًا إلى الإبداع.
وربما لا نحتاج أصلًا إلى أن يكون الفراغ مفيدًا حتى نسمح لأنفسنا به.
لكن المسألة لا تتعلق بالإبداع وحده.
هناك شيء آخر يحدث حين لا يحدث شيء.
نسمع أنفسنا.
وهو أمر لم يعد سهلًا كما يبدو.
فالضجيج الحديث ليس في الشوارع وحدها؛ جزء كبير منه يسكن الجيب. إشعار صغير قادر على قطع فكرة، ومقطع قصير قادر على سرقة دقائق، وخبر جديد قادر على سحب العقل من مكان إلى آخر قبل أن تكتمل الفكرة السابقة.
نحن لا نستهلك المحتوى فقط؛ أحيانًا نستخدمه كي لا نبقى وحدنا مع فكرة واحدة.
قرار نؤجله. سؤال لا نريد الإجابة عنه. حزن لم نمنحه وقتًا ليُفهم. أو حتى رغبة لم نكتشف بعد إن كانت رغبتنا نحن، أم شيئًا تعلمنا أن نريده لأن العالم ظل يكرر أمامنا أنه يستحق الرغبة.
وهنا تصبح لحظة الفراغ أكثر خطورة وجمالًا في آن.
لأنها لا تسألنا: ماذا ستشاهد؟
بل: ماذا ستفعل بعقلك حين لا يأتيه شيء من الخارج؟
نحن نعيش في زمن لا يكتفي بأن يعرض علينا الأشياء، بل يقترح علينا ما نراه، وما نقرأه، وما نسمعه، وأحيانًا ما قد يعجبنا. ومع كل هذا التدفق، يصبح السؤال عن رغباتنا أكثر تعقيدًا: هل ما نريده خرج من داخلنا، أم وصل إلينا بعد أن مرّ عبر ألف شاشة؟
ولعل أخطر ما في الاعتياد على الامتلاء الدائم أننا قد نفقد القدرة على معرفة الفراغ الذي نحتاجه.
حتى الراحة لم تعد راحة خالصة.
نرتاح كي نستعيد طاقتنا للعمل. نخرج كي نعود أكثر إنتاجًا. نقرأ كي نتطور. نمارس هواية كي نتقنها. وكأن الإنسان لا يملك حقًا في أن يفعل شيئًا لمجرد أنه يريد أن يكون حيًا في تلك اللحظة.
حتى «لا شيء» نريد منه نتيجة.
لكن ماذا لو كانت هناك أشياء لا تُنتج شيئًا، ومع ذلك لا يمكن أن نحيا جيدًا دونها؟
أن تنظر من النافذة دون أن تبحث عن معنى. أن تمشي دون أن تسجل عدد خطواتك. أن تشرب قهوتك دون أن تصورها. أن تترك ذهنك يذهب إلى مكان لا تعرفه. أن تجلس قليلًا دون أن تثبت لأحد، حتى لنفسك، أنك أنجزت شيئًا.
ربما لا يكون الفراغ دائمًا نقصًا يحتاج إلى ملء.
ربما يكون مساحة يحتاج إليها العقل حتى يستعيد صوته الخاص.
وهذا لا يعني أن الملل فضيلة في ذاته، أو أن علينا أن نبحث عنه. فالملل تجربة معقدة؛ قد يدفعنا أحيانًا إلى البحث عن شيء جديد، وقد يجعلنا في أحيان أخرى أكثر تشتتًا وضيقًا.
لذلك ربما لا يكون المطلوب أن نحب الملل، ولا أن نحوله إلى وصفة جديدة للنجاح.
ربما يكفي ألا نهرب من كل فراغ بمجرد أن يظهر.
أن نترك لأنفسنا أحيانًا مساحة بلا مهمة.
لا لنصبح أكثر إنتاجًا، ولا لنخرج بفكرة عظيمة، ولا لنثبت أن «الديتوكس الرقمي» نجح معنا.
فقط لأن الإنسان ليس آلة.
ولأن العقل الذي لا يتوقف عن استقبال العالم، قد يحتاج أحيانًا إلى أن ينسحب منه قليلًا حتى يعرف ما الذي بقي فيه.
وربما لهذا تبدأ أشياء كثيرة في حياتنا من لحظة لم يكن يحدث فيها شيء.
فكرة وُلدت من شرود. قرار نضج في صمت. ذكرى عادت فجأة. حلم ظهر دون موعد. أو سؤال ظل ساكنًا في الداخل حتى وجد أخيرًا الوقت الكافي ليخرج.
وربما نحن لا نحتاج دائمًا إلى المزيد من الأشياء.
ربما نحتاج، بين حين وآخر، إلى أقل.
أقل أصواتًا. أقل شاشات. أقل آراء. أقل استعجالًا.
حتى نسمع ذلك الصوت الخافت الذي تضيع ملامحه وسط كل هذا الضجيج؛ صوت الإنسان في داخله.