رأي

ماذا لو كان إبستين عربياً مسلماً؟.. جريمة واحدة وعدستان متناقضتان 

الصادق البديري

في الرواية الأولى، كان جيفري إبستين مجرد “حوت منعزل جنح إلى المياه الضحلة”، وجزيرته الخاصة “ملاذ خاص”، وشبكة علاقاته “تحقيق داخلي في نادٍ مغلق”، وأموالُه “خزنة نسي صاحبها رمزها السري”، وحتى في لحظة موته، ظل إبستين “أمريكياً مضطرباً”، لا “سفيراً لحضارة منحلة”.

أما لو كان اسمه جعفر أبو ستين، وجنسيته عربية ودينه الإسلام، لما بقيت الجزيرة ذاتها “منتجعاً خاصاً”، كانت ستتحول بين عشية وضحاها إلى “جمهورية التوحش المُعلنة على الماء”، ولقرأت العدسات الغربية جغرافيتها كـ”خريطة تهديد”، ورسمت فوق نخلها طائرات دون طيار، وكتبت تحت صور اليخوت تعليقاتٍ عن “تمويل الإرهاب بالكحول والمخدرات”.

وما كان أحد ليسأل “مَن موّله؟”، بل “مَن ربّاه؟”، ولما بحث التحقيق في أسماء الشركاء، بل في نصوص الكتب الدينية على رفوف مكتبته.

الجريمة وجواز سفرها

وتنتقل المعالجة الإعلامية الغربية من “شبكة دعارة نخبوية” في حالة إبستين، إلى “خلية تجسس شرق أوسطية” في حالة أبو ستين، فالأول “رجل أعمال مثير للجدل”، والثاني لكان “شيخ التحرش” و”إمام الإباحية”.

الفارق الوحيد بين الحالتين ليس حجم الجريمة ولا عدد الضحايا، بل اسم المالك على سند ملكية الجزيرة: هل هو باللاتينية أم بالعربية؟ فإن كان الأول فتشوا عن محامٍ، وإن كان الثاني فتشوا عن مجلس الأمن.

الدوافع تتبدل بتبدل الجنسية

وتتجلى ازدواجية المعايير بصورة أوضح في تفسير الدوافع، فبينما يُعزى انحراف إبستين لاضطرابات نفسية فردية، يدخل الاضطراب نفسه في حالة أبو ستين ضمن تصنيف جديد اسمه “جهاد النكاح”.

ولامتلأت المكتبات الغربية بأطروحات عن “الاستراتيجية الجنسية في الفكر الإسلامي السياسي”، ولصدرت تصريحات من “خبراء في التطرف” يشرحون فيها كيف أن جعفر “كان ينفذ فتوى سرية لإذلال الغرب عبر إغواء نسائه”.

وفي سياق التمويل، تتوقف التحقيقات مع إبستين عند صناديق الثروة الخاصة، أما أبو ستين، فكان سيواجه فوراً تهم “تمويل الإرهاب” عبر جمعيات خيرية إسلامية مزعومة، وكانت دول بأكملها ستُدرج على لوائح الاتهام بتهمة تمويل “جزيرة الفساد الإسلامي”.

الديانة في العنوان

وفي الوقت الذي تختفي فيه يهودية إبستين من التغطيات الإخبارية، كانت إسلامية أبو ستين ستتصدر كل خبر وكل تحقيق، كما لم يُطلب من اليهود أو المسيحيين الغربيين إدانة إبستين علناً، غير أن كل مسلم في أمريكا وأوروبا كان سيُستدعى لإدانة أبو ستين، وإلا اعتُبر “شريكاً صامتاً”.

وبموازاة ذلك، كانت ستُولد مصطلحات معجمية جديدة من رحم القضية: “تَجعفَرَ” فعلٌ يعني تآمر وأفسد وموّل الإرهاب، و”ستين غيت” على غرار ووترغيت، و”متلازمة أبو ستين” كاضطراب نفسي مفترض يصيب رجال الأعمال العرب حصراً.

الخلاصة المرّة

جيفري إبستين جريمة، وجعفر أبو ستين لو وُجد كان سيكون جريمتين: الأولى ما اقترفه، والثانية ما اقترفته العدسة الغربية في حقه وفي حق ملايين لا علاقة لهم بجريمته سوى أنهم يحملون اسمه العربي، ويؤدون الصلاة في أوقاتها.

فبينما كان إبستين عاراً على نفسه فقط، كان أبو ستين في الرواية الغربية سيُصبح عاراً على دينه وأمته ولونه، وقبل كل شيء على اسمه الذي يسبقه إلى الإدانة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى