مابين الحرس القديم ودواعي التغيير

عبد الله حربكانين
كثيرًا ما نسمع عن مصطلح الحرس القديم الذي يعود أصله إلى الحرس الإمبراطوري الفرنسي في عهد نابليون، حيث كان يُطلق على الجنود القدامى المتمرسين اسم Old Guard.

اليوم يُستخدم هذا المصطلح في السياسة وداخل المؤسسات الحكومية والخاصة، وغالبًا ما يتم تحويره للإيحاء بأن هذه النخبة تقليدية أو أنها ضد التغيير.

عندما بدأت الإنترنت في الظهور، وقبل استخدامها في المؤسسات وفي الهواتف النقالة ثم في المنازل، خاضت معركة شرسة مع شركات الاتصالات الخائفة من خسارة مواردها المالية من الاتصالات الهاتفية الباهظة؛ فقد كان سعر الدقيقة يصل لثمانية ريالات من دول الخليج إلى أي دولة عربية أخرى.

شكّل دخول الإنترنت مرحلة بناء جديد للمعرفة، ساهم فيه الانفجار الذي حدث نتيجة الابتكارات في مجال تقانة المعلومات وتكنولوجيات الاتصالات بزيادة سرعة الإنترنت ودخول الكابلات ذات السرعات العالية، وهذا بدوره فتح المجال لعالم جديد في كل المجالات، وكانت وسائل الإعلام من أكثر المستفيدين من ذلك.

فالصحفي الذي كان يعمل في الصحيفة أو الإذاعة أو التلفزيون وجد نفسه في خضم عالم معرفي جديد، مجبرًا على الإلمام به والتعامل معه وفهمه والسير في ركابه خطوة بخطوة بشغف كبير. فشهدت وسائل الإعلام نقلات كبيرة بفضل الكوادر التي تسلحت بهذا العلم الجديد بعد أن خضعت لتدريب مستمر ومكلف دفعته المؤسسات الخاصة والعامة من ميزانياتها.

تراكمت خبرات طويلة شهدت خلالها المؤسسات، خصوصا الإعلامية، منعطفات كثيرة في المجال، ومع اتساع مساحة الحرية الناتج عن انتشار الإنترنت، تعامل القائمون على تلك المؤسسات مع ذلك بأدوات المعرفة، ففتحوا المجال لأجيال جديدة واحتضنوها ودربوها للانخراط في المجال، وهذه من سنن الحياة.

أدى هذا المزج السلس بين جيلين مختلفين إلى صعود كبير في أدوات الإعلام، وعزز قدرته في مواجهة تحديات المصداقية والزيف والفبركة التي شهدتها مرحلة ما سمي بوسائل التواصل الاجتماعي.

ومع توسع وسائل التواصل الاجتماعي واستخدامها من قبل المؤسسات التجارية الكبرى لجني الأرباح والاستفادة القصوى مما يسمى بالبيانات الشخصية أو محتوى الجمهور، جاءت فكرة التحفيز المادي لمن يُسمون اليوم بصانعي المحتوى، وفيهم كثير من الغثاء مقابل ما يقدمون.

فكلما كان التفاعل مع المحتوى عاليًا كان الدخل يزيد، وتعمل الخوارزميات على تضخيم ذلك وترويجه. وهنا حدث انحراف كبير، فغدت كثير من المحتويات تركز على الإثارة والثرثرة والنميمة والبهتان وتصفية الحسابات والإيحاءات الجنسية والإباحية، وبالتالي الابتعاد عن تحري الدقة والمصداقية.

واليوم يجد من يُطلق عليه الحرس القديم في المجال الإعلامي نفسه غير مستعد نفسيًا للتماهي مع هذا الوضع المنحرف؛ لأنه تشرب بأدوات الموضوعية والمصداقية، وهي عملة نادرة إلى حد كبير في محتويات المنصات الآن. وزاد الأمر سوءًا ما أحدثته ثورة الذكاء الاصطناعي الحالية من رفع لمستوى المواد المفبركة وما يُطلق عليه Deep Fake بنشر الأخبار الكاذبة والتضليل والابتزاز وانتحال الشخصية.

هذه التحولات تمس جوهر العمل الإعلامي على وجه الخصوص. ومع تولي جيل جديد لم يُعايش ويواكب التطورات التقنية وصولًا للمرحلة الراهنة، بدت أجندته متأثرة إلى حد ما بالتحولات غير الصحية للمحتويات الإعلامية، خاصة القول بأن الجمهور يريد ذلك. فبعد أن كان الإعلام هو قاطرة الوعي الناجحة، يكاد أن يصبح اليوم مقطورة يجرها الجمهور بغير هدى ولا سبيل.

ويعتقد من يتقدمون اليوم لقيادة العمل الإعلامي بأن في مقدورهم خلق نقلة منفصلة واستثنائية وغير مسبوقة، دون أن يدركوا أن كل التطورات التي حدثت خلال العقود الثلاثة الماضية هي تراكم للمعرفة والخبرات، حيث لم تستطع فيها وسيلة إعلام أن تلغي الأخرى، بل أتاحت للصحافة والإذاعة والتلفزيون فرصة التطور والمواكبة. فلدينا اليوم المواقع الإخبارية والصحف الإلكترونية والبودكاست الذي يُعتبر نقلة جديدة للإذاعة والتلفزيون.

من وجهة نظري فإن الحل المناسب لوسائل الإعلام في مواجهة تحديات مرحلة الذكاء الاصطناعي هو دمج الخبرات التي واكبت عصر الإنترنت في مجال العمل والاستفادة منها في التدريب وحفظ إرث المؤسسة بما يضمن الحفاظ على المهنية التي هي على المحك اليوم.

وأذكر قصة سمعتها من أحدهم يقارن فيها الوضع البائس لمدينة إسطنبول التركية قبل سنوات حكم العدالة والتنمية وبين وضعها اليوم وشهرتها، ويلوم الجيل الحالي الذي لم يشهد ذلك في تذمره ومناداته بالتغيير، حتى وإن كان مطلوبًا، لكنه يكون بالتدرج. وهي نفس الحالة التي عاشتها كثير من شعوب المنطقة التي اندفعت تنادي بالتغيير غير المدروس، فحلت الكارثة في عدة بلدان، وتتمنى تلك الشعوب العودة لحقبة ما قبل التغيير، وهو أمر أخشى أن يصيب المؤسسات الإعلامية أو يكاد.

Exit mobile version