مؤتمر الإعلاميين وضجة الذين لم يحضروه

الصاوي يوسف

هناك عند السودانيين افتراض انه بما ان البلد حرب ومجاعة، فلا يجوز اذن للمواطن ان يتزوج ويقيم حفلا ووليمة فاخرة.. وبالطبع لا يجوز للحكومة ان تعمل اي حاجة، خاصة في مجالات مثل الاحتفالات والمؤتمرات والاهتمام بالفن والادب والثراث مثلا، لأنو “الناس في شنو.. والحكومة في شنو” والناس بتموت وما لاقية تاكل.

أعتقد هذه نظرة غريبة وقاصرة، وتريد أن تلغي أكبر انجاز في تاريخ البشر الذي هو تقسيم العمل. للدولة وزارة دفاع شغالة تحارب. وللدولة ايضا وزارة تعليم شغالة تعلم الاطفال، فخرج البعض يقولون: لا تعليم في وضع أليم! تعليم شنو البلد فيها حرب وناس بتموت وناس ما لاقية تاكل. تعليم شنو وتلاميذ نيالا لا يستطيعون الجلوس للامتحان بل لا تعمل مدارسهم اصلا. المطلوب حسب رايهم نغلق مدارس كسلا والقضارف وسنار وكردفان والشمالية ونهر النيل والدمازين، لأن نيالا فيها حرب ولا تستطيع فتح المدارس! قلنا لهم هذا تنفيذ مجاني لأجندة المليشيا والاعداء، فهم أرادوا تدمير التعليم والصحة. فلما أغلقوا مدارس ومستشفيات المناطق التي يسيطرون عليها، نساعدهم نحن باغلاق تلك التي لا يسيطرون عليها؟!!!!

هذا يشبه عندي تماما الموقف من مؤتمر الاعلاميين.

الاعلاميون يصرخون ليل نهار في صفحاتهم وصحفهم وقنواتهم ووسائطهم، يريدون توصيل رسائل للسلطة، وهي تصم أذنيها وتتمادى في الضلال وتقول لا أريكم إلا ما أرى. فإذا استيقظت السلطة فجأة ولعنت إبليس وقررت الاستماع للإعلاميين مباشرة.. واختارت منهم مائة او مائتين، بمعيارها الذي تظن فيه ان هؤلاء هم الأكثر تأثيرا وبالتالي الأكثر فائدة في تقديم الرأي، هاجت الدنيا وماجت، أنو دا ما وكت مؤتمرات “فارغة زي دي”، وهاجت أكثر وماجت في السؤال عن لماذا دعوا هؤلاء بالذات وخاصة ناس الخارج منهم، ولم يدعوا ناس الداخل، والكلام المضمر طبعا هو لماذا لم يدعوني أنا، أنا الصامد في الداخل ومؤيد للجيش!!!

يا اخوانا صلوا على النبي. أي قحة من هذا النوع هي خير من صمة الخشم. اذا كان الواحد منا يكتب رأيه وينشره يبتغي به النفع العام، فماذا يضير لو اجتمعنا، عشرة او عشرين او مائة، عشوائيا، وتحاورنا جماعيا، وقدمنا كلامنا للسلطة من خشمنا ل “قد أضانها”؟؟؟ علما أن ذلك لم ولن يحجر على الاخرين أن يواصلوا نشر آرائهم، ومنها ما يصل للسلطة، ومنها ما سيفيد القارئ أياً كان..

من حضروا ليسو أفضل ولا أسوأ ممن لم يحضر، وليسو مطبلين ولا خونة، ولا طالبي “ظروف” ومنافع. هم ضمن آلاف الوطنيين وأهل الرأي، تم انتقاء “عينة” منهم، عينة عشوائية، أو وفقاً لمعيار إحصائي معين، فكل الدنيا تعمل خياراتها الاحصائية بطريقة أو أخرى، ببساطة لأنه لا يمكن إشراك الجميع.

فإذا جاء هؤلاء وسمعوا من مصدر المعلومات الأولي، وأسمعوا رايهم لبعضهم وللسلطة، وتحاوروا وتفاكروا.. هل نقول لهم كيف سمح لكم ضميركم بالحضور للمؤتمر وكيف تكونوا حراساً الحقيقة وأنتم تحضرون مؤتمر السلطة؟!!! هل الضمير اليقظ هو ذلك الذي يكتفي بكتابة الشتائم والنقد والتبخيس كل صباح وبكدا يكون مرتاح وأدى واجبه؟؟ هل حراسة الحقيقة هي الاكتفاء ب”ما أريكم إلا ما أرى” فلا يسمع الإعلامي من السلطة ولا يتكلم معها وإليها؟؟ فلمَ إذن كل المؤتمرات الصحفية والمقابلات، أليس للبحث عن الحقيقة نفسها؟ هل الحقيقة موجودة فقط في البرج العالي والعاجي والبعيد والذي ينظر الى نمل السلطة بعين الصقر ويكتفي بحقائقه التي لا أدري من أين وكيف استقاها؟؟؟

أنا شايف الموضوع بسيط وواضح. ثلة من الوطنيين، قرروا قبول دعوة السلطة للتحاور والتشاور، مش كلهم بقولوا الحوار هو الحل؟ ام مطلوب من الإعلاميين حمل البندقية الى جانب المليشيا لمحاربة السلطة الظالمة الفاشلة ونبذ اي دعوة للحوار؟؟!!

هل مطلوب منهم التأكد من توقف الحروب تماما، وعودة كل النازحين فردا فردا، وبرء كل الجراح ورد كل الحقوق، لينتقلوا بعد ذلك الى “ترف” المؤتمرات والحوار؟؟!! وأهم شي: التأكد من حضور جمييييع ال ٤٣٧١ إعلامي مسجل لدى إتحاد الصحفيين، وإلا فإن المؤتمر انتقائي ومنقوص؟؟ هل مطلوب منهم محاكمة السلطة غيابيا، في غيابها هي وفي غيابهم هم؟؟ هل مطلوب منهم فقط الشكوى باستمرار والبكاء ان السلطة لا تعرف اهمية معركة الإعلام إلى جانب معركة القتال بالسلاح، ولم تهتم بالإعلام ولم تستمع إليه ولم تحاوره؟!

هل مطلوب منهم إرضاء كل سكان الوسائط، بكل تنوعهم واختلافهم؟؟؟

أعتقد أنها من أكبر الخطوات الشجاعة أن يلتقي الإعلامي بالسلطة ويحاورها ويقدم لها ما عنده من رأي وتقدم له ما عندها من معلومات وتنويرات بما يخفى عنه، أما النقد والشتائم، فهذه يحسنها كل أحد ولا تحتاج لا للشجاعة ولا للمعرفة والمعلومات الصحيحة.

Exit mobile version