مأزق القحاطة: الخارج أولاً والشعب آخرًا

خالد محمد أحمد

يواصل القحاطة اجترار الخطأ نفسه، لا في المضمون فحسب، بل وفي الوجهة أيضًا. ففي كلّ منعطفٍ، ومع إدراكنا لتباين مكوّناتها، تختار هذه القوى التوجُّه إلى الخارج، وكأنَّ الحلّ السياسي للسودان لا يُصاغ إلا في باريس أو بروكسل أو لندن، لا في الشارع السوداني الذي تزعم تمثيله.

أليس بين هؤلاء من يذكّرهم بأن التوجُّه إلى الداخل عبر مراجعاتٍ صريحة لأخطائهم، وعرض مشروعٍ سياسي مُحدَّث على شعبٍ مكلوم أجدى وأنجع من الرهان على فرض مقاربةٍ متكلّسة عبر وصايةٍ دولية ناعمة؟

أليس بينهم من ينوّه بأن خطابهم صار محفوظًا بالنبرة ذاتها والكليشيهات نفسها، وكأنَّ البلاد لم تتغيَّر، وكأنَّ الحرب لم تُعِد تشكيل وعي الناس، وكأنَّ أولويات الشارع الذي يدَّعون تمثيله لم تنقلب رأسًا على عقب؟

أليس بينهم من يوضّح لهم أن من أعمق أزماتهم وأكثرها استعصاءً إصرارهم على الظهور بمظهر الطرف الوحيد الذي لم يخطئ، وتمسُّكهم طويلاً بعد اندلاع الحرب بحصر الإدانة في الجيش وحده قبل أن يضطرّوا تحت ضغط الوقائع واتساع الوعي العام إلى إدراج الجنجويد على استحياء في دائرة الاتهام؟

أليس بينهم من يوقظهم إلى أن ادّعاء الفضيلة الدائم لا يعكس قوة موقفٍ بقدر ما يكشف عن مأزقٍ نفسي وسياسي لا سبيل للخروج منه إلا بالاعتراف بالمكابرة ومعالجتها صراحةً؟

أليس بينهم من يقول لهم إنْ لم تنزلوا من برجكم العاجي، وتتواضعوا، وتحملوا نصيبكم من مسؤولية الخراب، فلن يستقيم لكم حال، ولن يُكتَب لأيّ خطابٍ يصدر عنكم أن يجد آذانًا مصغية.

أمَّا الإصرار على مقاربة الخارج، فيكشف أزمة ثقةٍ عميقة بالداخل، وهوَّة واسعة مع المجتمع، وفهمًا مختلَّاً لمعنى الشرعية، التي لا تُستمَدُّ من المنصَّات الدولية، بل من القدرة على الوقوف وسط الناس، وتلمُّس مخاوفهم، واستكشاف أولوياتهم وتبنّيها. وعليه، فإن الوجهة الصحيحة سياسيًا وأخلاقيًا ليست باريس ولا بروكسل ولا لندن، بل الخرطوم أو بورتسودان حيث تُختَبر الشعبية على أرض الواقع، ويُقاس الوزن الحقيقي للمشاريع الوطنية.

في السياق الراهن، وقد تصدَّرت قضايا الأمن وتحجيم خطر الجنجويد سلَّم أولويات الناس، يبدو خطاب القحاطة الخارجي منفصلًا عن الواقع، ومستفزًا لقطاعاتٍ واسعة ترى فيه تجاهلًا لمعاناتها اليومية، وتجاوزًا لإرادتها، واستدعاءً لوصايةٍ لم تعُد مقبولة.

خطأ القحاطة، إذن، ليس في الشعارات وحدها، بل في انحراف جهة سيرهم بالإيغال في التماس الحلّ في الخارج؛ ومَنْ يفعل ذلك لا يحقُّ له أن يستقوي بإملاءاتٍ على شعبٍ تجاوز تقديرات النخب شجاعةً وصبرًا.

إنْ أرادوا تدارك موقفهم، فنبض الشارع هو البوصلة.

ومَنْ لا يسمع أنين الداخل، لن تنقذه ميكروفونات الخارج!

Exit mobile version