رأي

ليلة القبض على عثمان دقنة

لواء ركن(م) دكتور علي محمد سعيد

مدخل
بعد أن وضعت معركة كرري أوزارها، وتفرّق ما تبقّى من الأنصار أيدي سبأ، اتجه عثمان دقنة صوب شرق الله البارد ليواصل نضاله من هناك. كان يعلم أنه مطارد، وأن الدوائر تضيق من حوله، وأن النهاية تقترب، لكن خطاه لم تتباطأ، ولم يساوم، ولم يبحث عن نجاة فردية.
وحين قُبِض عليه، لم يصرخ، ولم يلعن، ولم يستنجد. التفت إلى الواشي وقال بهدوء موجع:
(يا ود علي، أنا اتقبضت… علّك ما تكون بعتني رخيص.)
لم تكن عبارة رجلٍ خُذِل فحسب، بل كلمة وطنٍ سُلِّم. لم تكن عتابًا شخصيًا، بل حكمًا تاريخيًا قاسيًا على معنى الخيانة. فالمأساة لم تكن في القبض على عثمان دقنة، بل في الثمن الذي دُفع مقابله؛ حين يُختزل الوطن، والنضال، والدم، والتاريخ، في صفقة رخيصة لا تساوي شيئًا من قيمتها الحقيقية.
وبقي عثمان دقنة في سجن وادي حلفا حتى وفاته عام 1926؛ جسدًا مُقيّدًا، لكن معنى الحرية ظلّ حرًّا، يطارد الخونة قبل الأعداء.
الإنسان قبل الحجر والرمز
قال النبي ﷺ:
(لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق)
بهذا المعنى، وُضِعت قيمة الإنسان فوق كل شيء: فوق الحجر، والرمز، والبناء، والقوة، والسلطان. فالدنيا بكل عظمتها أهون من دم بريء، وكل ما لا يحفظ كرامة الإنسان لا قيمة له.
ومن هنا، لم تكن الخيانة فعلًا سياسيًا فقط، بل سقوطًا أخلاقيًا كاملًا. فمن يبيع وطنه، لا يبيع أرضًا ولا حجارة، بل يبيع الإنسان، ويبيع ذاكرة الشعب، ويبيع حقه في الكرامة والصمود والبقاء.
وكأن التاريخ يسأل الخونة:
هل يساوي برجٌ شامخ دفنَ الآلاف أحياء؟
هل تساوي مدينة فارهة دماء الأبرياء؟
هل تعادل صورة زائفة للحضارة تشريد الملايين، وسفك دماء النساء والأطفال، وانتهاك الحرمات أمام أعين أهلها؟
السقوط من الداخل
لم يسقط الوطن في تلك الليلة تحت وقع المدافع، ولم تنهَر الأسوار أمام جيشٍ غريب سقط بهدوء. سقط حين فُتحت الأبواب من الداخل، وحين دلّ رجلٌ على رجل، وحين بيع السر كما تُباع السلع الرخيصة في الأسواق المنسية.
لم تكن الكلمات موجّهة إلى الواشي وحده، بل إلى كل من سيأتي بعده، وكل من سيظن أن الخيانة صفقة رابحة، وأن الوطن يمكن أن يُستبدل بمصلحة عابرة أو خوفٍ صغير.
في تلك اللحظة، لم يكن المشهد مشهد أسير، بل مشهد وطنٍ جرى تسعيره. فبعض الخيانات لا تُقاس بنتائجها، بل بثمنها؛ حين يصبح الوطن كله أقل قيمة من وعدٍ زائف، أو منصبٍ مؤقت، أو نجاة فردية.
الخطر الحقيقي
كان العدو معروفًا بملامحه وسلاحه وحدوده.
أما الخطر الحقيقي، فكان يمشي بيننا، يتكلم بلساننا، ويرفع شعاراتنا، ولكنه يفتح الأبواب في الظلام. لم يحتج إلى رصاصة، ولا إلى معركة، بل احتاج إلى خائنٍ واحد يرى الوطن أقل من ثمنه الحقيقي.
وهكذا، لم تكن الهزيمة هزيمة سلاح، بل هزيمة معنى.
لم يكن السقوط سقوط مدينة، بل سقوط وفاء.
لم يكن الانكسار انكسار جيش، بل انكسار ضمير.
وفي كل مرة أعاد التاريخ المشهد نفسه، تغيّرت الأسماء، وبقي الفعل واحدًا:
وطن يُباع،
وخيانة تُغلَّف بالصمت،
وعدوٌّ يدخل بلا مقاومة.
في النهاية، لم يلعن التاريخ المهزومين، بل لعن من جعلوا الخيانة رخيصة.
فالهزائم تُنسى، لكن رخص الوفاء لا يُغتفر.
والدرس يظل ثابتًا لا يتغيّر:
الأوطان لا تُهزم حين تُهاجَم، بل حين يقرّر بعض أبنائها أن يكونوا أرخص منها.
﴿ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾
سورة يوسف: الآية 52
صدق الله العظيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى