عبدالعزيز يعقوب-فلادليفيا
ayagoub@gmail.com
١٠ أبريل ٢٠٢٦
أحيانًا تأتي الأسئلة الكبرى من أفواهٍ صغيرة. فالأطفال، ببراءتهم التي لم تتلوث بعد بضجيج العالم، يرون ما يغيب عن أعين الكبار. وحين يسألون، لا يكون سؤالهم مجرد فضول عابر، بل مرآة صافية تكشف ما في عالمنا من تناقضات. وهذه حكاية فصلٍ صغير، طرح فيه الأطفال أسئلةً كبيرة عن الله، والرحمة، والحروب… وعن معنى أن يكون الإنسان خليفة في الأرض.
دار هذا الحديثٌ في فصلٍ من نور
كان الصباح هادئًا، وكانت الشمس تتسلل إلى الفصل في رفقٍ شفيف، كأنها جاءت لتجلس بين الأطفال.
كانت المعلمة تحدّث طالباتها عن الله، وعن الرحمة التي أودعها في قلوب البشر، وعن الأنبياء الذين جاؤوا ليذكّروا الناس بأن الأرض خُلقت للحياة، وأن الإنسان خُلق ليعمرها بالعمل و الخير والعدل.
رفعت إحدى الطالبات يدها وقالت بفضولٍ رقيق
ـ يا معلمتي… من قتل المسيح؟ وهل صُلب فعلًا؟
ابتسمت المعلمة ابتسامة هادئة وقالت:
ـ يا صغيرتي، يختلف الناس في ذلك، لكننا نؤمن أن الله نجّاه، وأنه لم يُقتل ولم يُصلب. فالله لا يخذل من اصطفاهم ليكونوا رسل رحمةٍ بين الناس.
قالت طالبة أخرى وقد لمع السؤال في عينيها:
ـ لكنني سمعت أن المسيح سيعود يومًا ليجعل الدنيا أكثر عدلًا… أليس كذلك؟
قالت المعلمة:
ـ نعم، يعتقد كثير من المؤمنين من اديان مختلفة ذلك. وعودته في وجدان الناس تعني أن الرحمة ستنهض من جديد، وأن العدل سيجد طريقه بين البشر.
رفعت طفلة صغيرة يدها وقالت ببراءةٍ صافية:
ـ يا معلمتي… هل يحب الله الأطفال؟
ابتسمت المعلمة وقالت:
ـ نعم يا صغيرتي، يحبهم كثيرًا. فقلوب الأطفال أقرب إلى النور، و كل الأنبياء والمسيح نفسه كان يحب الأطفال ويبارك براءتهم.
تبادلت الطالبات النظرات، ثم قالت إحداهن بصوتٍ خافت:
ـ إذن… لماذا يموت الأطفال في الحروب التي يقول الناس إنها باسم الله؟
ساد صمتٌ قصير في الفصل.
ثم قالت المعلمة بصوتٍ دافئ:
ـ أحيانًا يخطئ الناس حين يظنون أن العنف طريقٌ إلى الله. لكن الله يحب الحياة، ويحب أن يعمر الإنسان الأرض بالخير والعدل.
رفعت طالبة أخرى يدها وقالت:
ـ سمعت الكبار يتحدثون عن حربٍ كبيرة يسمونها حرب القيامة… هل يمكن أن تحدث؟
قالت المعلمة بلطف:
ـ يوم القيامة يا صغيرتي أمرٌ عند الله وحده، لا يعلمه أحد، وقد أخبرنا أنه يأتي بغتة. لكن الإنسان لم يُخلق لينتظر نهاية الدنيا، بل خُلق ليجعلها أجمل ما استطاع.
قالت طفلة بعينين لامعتين:
ـ إذن يمكننا أن نزرع شجرة لكل طفلٍ مات في الحروب… حتى تكبر الأشجار بدل أن يكبر الحزن.
قالت أخرى مبتسمة:
ـ وأنا سأزرع زهورًا… ثم نعطيها للكبار ونقول لهم: أرجوكم، احموا الأطفال.
ضحكت ثالثة وقالت:
ـ ونرسم الشمس كبيرة… حتى لا ينسى الناس أن الدنيا خُلقت للنور.
ساد في الفصل صمتٌ جميل، كأن الكلمات تحوّلت إلى بذورٍ صغيرة في القلوب.
ثم رفعت طفلة يدها مرة أخرى وقالت:
ـ يا معلمتي… هل يمكن أن يرسل الله أحدًا لينهي الدنيا ويأتي بيوم القيامة؟
ابتسمت المعلمة، لكنها لم تجب بعد، فقد واصلت الطفلة حديثها بصدقٍ بسيط:
ـ لكننا لم ننتهِ بعد من لعبنا ولم نجرب كل الألعاب …
ـ ولم نزرع كل الأشجار التي نحلم بها…
ـ ولم نرسم كل الرسومات الجميلة…
ثم قالت وهي تنظر إلى صديقاتها:
ـ ولم نفعل بعد أشياء اخري كثيرة طيبة… حتى ندخل الجنة.
كان في كلماتها صدقٌ بسيط، لكنه عميق كالحياة نفسها.
ثم قالت الطفلة بهدوءٍ يشبه الهمس:
ـ الدنيا جميلة يا معلمتي…وفيها أمهاتنا
فيها صديقاتي …الشمس… والزهور… وفيها نلعب… ونضحك.. نحاول ان نرسم الابتسامة في وجوه الأحباب والجيران والفقراء ونطير فرحا حين يحدث ذلك .. هذه الدنيا فعلا جميلة
ثم سألت بعفويةٍ صافية:
ـ فكيف يريد بعض الكبار أن تنتهي هذه الدنيا الجميلة؟
ألا يعلمون أننا نريد أن نفعل فيها أشياء كثيرة بعد؟
وقبل أن تجيب المعلمة، رفعت طفلة أخرى يدها وقالت بسؤالٍ صادق:
ـ يا معلمتي… هل فعل الكبار كل ما ينبغي لعمارة الأرض؟
هل نشروا العدل بين الناس؟
وهل مسحوا دموع المظلومين… حتى يطلبوا القيامة؟
ثم توقفت لحظة، وأضافت ببراءةٍ موجعة:
ـ وكيف سيدخلون الجنة… إذا كانوا يقتلون الأطفال… ويزرعون الخوف في قلوب الناس ويدمرون ويحرقون؟
ساد الصمت في الفصل؛ صمتٌ ثقيل، لكنه صادق.
نظرت المعلمة إلى وجوه الطالبات الصغيرة، وشعرت أن الحكمة كثيرًا ما تسكن القلوب الصغيرة قبل أن تبلغها عقول الكبار.
ثم قالت بصوتٍ هادئ:
ـ الله يا صغيراتي لم يخلق الإنسان ليعجل بنهاية الدنيا، بل ليعمرها بالخير.
كل شجرةٍ تُزرع…
وكل طفلٍ يُحمى…
وكل عدلٍ يُقام…
هو خطوة في طريق الجنة.
ثم ابتسمت وأضافت:
ـ وربما لو أصغى الكبار قليلًا لقلوب الأطفال…
لتعلموا أن أعظم العبادة ليست في انتظار نهاية العالم، بل في عمارته
و جعل هذا العالم أكثر رحمةً وعدلًا وجمالًا.
فضحكت الطالبات، وامتلأ الفصل دفئًا.
وكانت الشمس عند النافذة تبدو كأنها… تبتسم لهم.