لماذا يتجه غضب الخليج نحو طهران لا واشنطن

بعد ما يقرب من أسبوعين على اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران، بدأت نسخة جديدة من الحياة اليومية، مشبعة بالقلق ومعدّلة بفعل الحرب، تتشكل في الخليج.

في حصة رياضية بعد الإفطار في الدوحة، بدا شعار المدرب المعتاد عن “الطاقة الإيجابية” مختلفاً هذه المرة عندما قال يوم الثلاثاء:

“نحن بحاجة إليها الآن أكثر من أي وقت مضى.”

وعند مغادرتنا النادي، أطلقت هواتفنا إنذاراً جديداً للصواريخ، فانتظرنا في موقف السيارات تحت الأرض حتى انتهت الانفجارات. وفي الخارج، أصبح بعض حراس الأمن يرتدون خوذاً بيضاء صلبة، كحماية ضعيفة من الشظايا المتساقطة.

وفي أنحاء الإمارات أيضاً تتكيف الحياة اليومية. فقد شاهد مرتادو الشواطئ في دبي مقاتلة حربية تطارد طائرة مسيّرة في السماء، كما تم إلغاء مدافع رمضان حتى لا تُضاف انفجارات أخرى إلى الأجواء المتوترة.

كما غادر موظفون مكاتبهم يوم الأربعاء بعد أن هددت إيران المصالح المالية الأمريكية والإسرائيلية، بينما تسبب خلل في Google Maps في إظهار المستخدمين في الصحراء أو في البحر، ما عقد عمل سائقي التوصيل.

حتى إن الإمارات خفّضت صوت تنبيهات الهواتف المحمولة الليلية لمساعدة السكان على النوم بشكل أفضل.

ويقول مراسل الطاقة في رويترز يوسف سبا إنه بعد 12 يوماً من تسجيل هجوم تلو الآخر على منشآت الطاقة في الخليج، أصبح حتى هجوم طائرة مسيّرة على مصفاة نفطية يُقابل الآن بـ “حسابات باردة” بدلاً من الصدمة؛ إذ يتعامل التجار والمديرون معه كما لو كان توقفاً مفاجئاً للصيانة.

لماذا يتجه غضب الخليج نحو طهران لا واشنطن؟

الغضب الشعبي تجاه واشنطن نادر بشكل ملحوظ في دول الخليج، رغم أنها تتلقى بعض أقوى صدمات حرب إقليمية كانت قد حذرت الولايات المتحدة من خوضها.

وباستثناءات قليلة، تجنب كبار المسؤولين الخليجيين إلقاء اللوم علناً على واشنطن بسبب قرارها مواجهة إيران.

بل إن عواصم الخليج تحتفظ بلغة “الخيانة” لطهران، لا للولايات المتحدة، حتى مع أن التحركات الأمريكية ساعدت في إشعال الصراع.

وجاء انحراف علني نادر عن هذا الاتجاه من رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور الذي انتقد لفترة وجيزة دونالد ترامب بسبب “جرّ” المنطقة إلى الحرب، قبل أن يتراجع عن تصريحاته. ويقول بعض المصادر الخليجية إن ذلك يعكس حالة قلق مكتومة داخل الدوائر الخليجية بشأن خيارات واشنطن.

كما تجنب الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو أمين الناصر انتقاد واشنطن يوم الثلاثاء، رغم تحذيره من أن الاضطراب تسبب في “تفاعل متسلسل خطير” قد تكون له عواقب “كارثية” على أسواق النفط العالمية.

وقد سهل سلوك إيران هذا الموقف الحذر.

فبعد سنوات من التقارب البطيء، وتأكيد الدول العربية الخليجية أن أراضيها لن تُستخدم لشن هجمات على إيران، توقع كثيرون أن تعترف طهران بهذه الجهود.

وكان مسؤولون خليجيون قد أجروا جولة دبلوماسية مكثفة في يناير، حذروا خلالها واشنطن وطهران على حد سواء من أن ضربة أمريكية لإيران ستؤدي إلى ارتدادات إقليمية كالتي نشهدها الآن.

لكن بدلاً من ذلك، ضربت إيران أراضي دول الخليج في اليوم الأول للحرب، ومنذ ذلك الحين تثير القلق في العواصم الخليجية.

ووصف رئيس وزراء قطر تحركات إيران بأنها “خيانة”، مؤكداً أنها كانت مخططة مسبقاً ونُفذت رغم ضمانات الخليج بالحياد.

وقال إن الدوحة عملت للحفاظ على “حيّ سلمي” في المنطقة وسعت لتسهيل الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران، لكن خطأ حسابات إيران “دمّر كل شيء.”

دول الخليج تنوّع علاقاتها الأمنية

مع ذلك، يقول مسؤولون إن الوقت ليس مناسباً لإعادة التفكير في العلاقات مع واشنطن.

فقد قال المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري إن الشراكة مع الولايات المتحدة “ليست محل تساؤل”، وأن هذه اللحظة تعزز الحاجة إلى تعزيز التعاون الأمني مع الولايات المتحدة وأوروبا وليس تقليله.

لكن درساً أوسع بدأ يترسخ:

الاعتماد على ضامن أمني واحد ترك دول الخليج مكشوفة.

وقد لعبت دول أوروبية، وليس الولايات المتحدة، دوراً واضحاً في تعزيز الدفاعات الإقليمية، من خلال مقاتلات رافال الفرنسية التي تقوم بدوريات في أجواء الإمارات، ومقاتلات تايفون البريطانية التي اعترضت تهديدات فوق قطر.

وقال مسؤول خليجي لرويترز إن المسار ليس الابتعاد عن واشنطن، بل التوسع نحو شركاء آخرين.

وأضاف:

“دول الخليج تتوقع تحولاً كبيراً في وضعها الأمني والدفاعي. ليس الابتعاد عن الولايات المتحدة، بل التنويع: بعض الدول قد تتجه نحو الصين، وبعضها قد يقترب أكثر من إسرائيل، وأخرى من أوروبا أو تركيا أو باكستان أو الهند.”

وخلاصة الأمر أن دول الخليج لا تقطع علاقتها مع واشنطن، لكنها تتحوّط لما قد يحدث لاحقاً.

أولًا: لماذا الغضب الخليجي موجّه إلى إيران؟
لأن العواصم الخليجية ترى أنها حاولت تجنب الحرب أصلًا. التقرير يشير إلى أن دول الخليج قدّمت ضمانات بالحياد، وحذّرت من أن أي ضربة أمريكية لإيران ستنعكس على المنطقة، ثم فوجئت بأن إيران قصفت أراضي خليجية رغم هذه الجهود. لهذا استُخدمت في الخطاب الخليجي مفردات قاسية مثل “الخيانة”، خصوصًا من الجانب القطري، لأن التصور الخليجي كان أن طهران تجاهلت الحياد الخليجي وعاقبت جيرانًا سعوا للتهدئة. 

ثانيًا: لماذا لا يتحول هذا الغضب إلى قطيعة مع واشنطن؟
لأن دول الخليج، رغم انزعاجها من قرار الحرب، ما زالت تعتبر الولايات المتحدة الضامن الأمني الأكبر الذي لا يمكن استبداله فورًا. رويترز نقلت عن المتحدث القطري ماجد الأنصاري أن الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة “ليست موضع تساؤل”، بل إن اللحظة الحالية تعزز الحاجة إلى تقوية التعاون الدفاعي مع الأمريكيين والأوروبيين معًا. هذا يعني أن الخليج لا يريد فك الارتباط، بل يريد تقليل المخاطر الناتجة عن الاعتماد على طرف واحد. 

ثالثًا: ما التحول الحقيقي إذن؟
التحول ليس الابتعاد عن أمريكا، وإنما سياسة تحوّط وتوسيع الخيارات. وهذا أهم ما في التقرير. المسؤول الخليجي الذي تحدث لرويترز قال بوضوح إن الاتجاه القادم هو التنويع: بعض الدول قد تنفتح أكثر على أوروبا، وبعضها على تركيا أو باكستان أو الهند، وربما الصين أو حتى إسرائيل في بعض المسارات الأمنية. المعنى هنا أن الخليج يريد شبكة أمان متعددة الطبقات، لا مظلة أمريكية وحيدة. 

رابعًا: ما الذي كشفته الحرب عن هشاشة الأمن الخليجي؟
الحرب أظهرت أن امتلاك علاقات جيدة مع واشنطن لا يمنع انتقال النيران إلى الخليج نفسه. كما أظهرت أن البنية التحتية للطاقة، والملاحة، والتأمين، والطيران، وحتى الحياة اليومية في الدوحة ودبي والمنامة، يمكن أن تتعطل سريعًا تحت ضغط الصواريخ والمسيّرات. رويترز وصفت كيف أصبح السكان يتعاملون مع الإنذارات والهجمات كجزء من يومهم، فيما تحدث أمين الناصر عن “تفاعل متسلسل شديد” قد يقود إلى آثار “كارثية” على أسواق النفط العالمية إذا استمر تعطيل هرمز. 

خامسًا: ما معنى بروز أوروبا في المشهد؟
التقرير يلفت إلى نقطة دقيقة: في هذه الأزمة، ظهرت مساهمة أوروبية أوضح من السابق، مثل دور الرافال الفرنسية فوق الأجواء الإماراتية والتايفون البريطانية فوق قطر. هذا لا يعني أن أوروبا أصبحت بديلًا لأمريكا، لكنه يعني أن الخليج بدأ يرى في أوروبا مكمّلًا دفاعيًا عمليًا يمكن البناء عليه، خاصة في الدفاع الجوي والاعتراض وحماية المجال الجوي. 

سادسًا: ما الانعكاس الاقتصادي؟
سياسيًا، دول الخليج لا تريد حربًا طويلة. اقتصاديًا، هي أكثر رفضًا لها. فالحرب رفعت أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل في التداولات الأخيرة، لكن هذا ليس مكسبًا صافيا للخليج، لأن استمرار الاضطراب يهدد الصادرات نفسها، وسلاسل الإمداد، والتأمين البحري، وحركة الطيران، والاستثمارات. كما ذكرت رويترز أن بعض الدول الخليجية بدأت مراجعة استثماراتها السيادية لمواجهة الصدمة الاقتصادية. لذلك فالأولوية الخليجية ليست “الربح من ارتفاع النفط”، بل منع انهيار الاستقرار الاقتصادي الإقليمي. 

سابعًا: كيف نفهم الموقف الخليجي باختصار؟
الموقف الحالي يمكن تلخيصه في ثلاث عبارات:
الخليج غاضب من إيران لأنها ضربته رغم حياده.
والخليج ما زال محتاجًا لأمريكا لأنه لا يوجد بديل فوري.
والخليج لم يعد يريد الارتهان الكامل لأمريكا بعد أن اكتشف أن قرار الحرب الأمريكي يمكن أن يورطه في الثمن دون أن يملك قرار المنع. هذا استنتاج تحليلي من مجمل ما ورد في تقرير رويترز والتغطيات المرتبطة به. 

ثامنًا: ما الذي قد يحدث لاحقًا؟
المرجح ليس انقلابًا خليجيًا على واشنطن، بل إعادة توزيع للأوزان داخل المنظومة الأمنية الخليجية: مزيد من الصفقات الدفاعية المتنوعة، تعزيز الدفاع الجوي المتكامل، توسيع الشراكات مع الأوروبيين، والإبقاء على الأمريكيين كركيزة رئيسية لكن ليس كركيزة وحيدة. وهذا بالضبط ما تعنيه عبارة رويترز: هم لا يقطعون مع واشنطن، بل يتحوطون لما بعد هذه الحرب. 

Exit mobile version