لماذا لم تصدر تقارير المراجع العام؟

سؤال اليوم

القاهرة – سماح طه

في الوقت الذي تتعاظم فيه المطالب بالشفافية والمساءلة في إدارة المال العام، يبرز سؤال ظل يتردد على ألسنة السودانيين منذ عدة سنوات : لماذا لم تصدر تقارير المراجع العام؟
وهل تقع مسؤولية غيابها على ديوان المراجعة العامة، أم على الجهات التي يفترض أن تناقشها وتتيحها للرأي العام؟.
ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، إذ تمثل تقارير المراجع العام أهم وثيقة رقابية تكشف أوجه القصور في أداء مؤسسات الدولة، وترصد المخالفات المالية والإدارية، وتضع التوصيات اللازمة لحماية المال العام ومنع هدره.
ورغم أهمية هذه التقارير، فإن الرأي العام لم يطلع على تقارير المراجعة منذ عدة سنوات، الأمر الذي فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول أسباب غيابها، وما إذا كانت هناك عقبات قانونية أو مؤسسية تحول دون نشرها.

وللوقوف على حقيقة الأمر، استمعت “الأحداث” إلى آراء مسؤولين وخبراء، فجاءت الإجابات متباينة بين من يرى أن ديوان المراجعة أدى واجبه القانوني، ومن يعتقد أن استقلاليته وصلاحياته تفرض عليه دوراً أكبر في متابعة تنفيذ توصياته وعدم الاكتفاء بإيداع التقارير.

نائب المراجع العام: الديوان أوفى بالتزاماته وسلم التقارير

في إفادة خاصة لـ”الأحداث”، قال نائب المراجع العام محمد النعيم إن تحميل ديوان المراجعة العامة مسؤولية عدم نشر التقارير “في غير محله”، معتبراً أن من يوجه انتقاداته للديوان “يطعن في ظل الفيل”، لأن الجهة التي ينبغي مساءلتها هي مجلسا السيادة والوزراء اللذان يمارسان، بموجب الوثيقة الدستورية، اختصاصات السلطة التشريعية في ظل غياب البرلمان.
وأوضح أن المجلسين كان يفترض بهما الاجتماع للنظر في تقارير المراجعة، واستدعاء المراجع العام لعرض تقاريره ومناقشتها ، ومن ثم اتخاذ ما يلزم بشأنها، مشيراً إلى أن الديوان يمكنه بعد ذلك نشر خطاب المراجع العام وما يراه مناسباً من التقارير.
وأكد النعيم أن ديوان المراجعة العامة سلّم تقارير المراجعة الخاصة بالأعوام من 2019 وحتى 2025 إلى الجهات المختصة، مبيناً أن قانون ديوان المراجعة العامة لسنة 2015 لا يتضمن أي نص يُلزم الديوان بنشر التقارير للرأي العام.
وأضاف أن المادة (6/ز) من القانون تنص على إعداد التقرير السنوي عن الحسابات الختامية ورفعه إلى رئيس الجمهورية والمجلس الوطني والولاة والمجالس التشريعية خلال مدة لا تتجاوز تسعة أشهر من نهاية السنة المالية.
وأشار إلى أن الديوان التزم بما أوجبه القانون وسلم تقاريره إلى رئيس مجلس السيادة، نافياً أن يكون قد تستر على الفساد، ومؤكداً أن التقارير نفسها تضمنت مخالفات مالية وإدارية عديدة ورصدت تجاوزات داخل مؤسسات الدولة.
وانتقد النعيم استناد بعض الكُتّاب إلى قانون 2007، مؤكداً أن القانون المعمول به هو قانون 2015، وأن الأسئلة المتعلقة بعدم مناقشة التقارير أو عدم إتاحتها للرأي العام ينبغي أن توجه إلى رئيس مجلس السيادة، وإلى الجهات المسؤولة عن عدم تشكيل المجلس التشريعي، باعتباره الجهة المختصة بمناقشة تقارير المراجع العام.

د.خالد التجاني: لا يكفي إيداع التقرير ثم الانصراف

على الجانب الآخر، يرى الكاتب والمحلل الاقتصادي الدكتور خالد التجاني أن استقلالية ديوان المراجعة العامة والصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها قانوناً تفرض عليه دوراً يتجاوز مجرد رفع التقارير.
وقال التجاني لـ”الأحداث” إن الديوان جهاز رقابي تخضع لرقابته جميع مؤسسات الدولة، بما فيها مجلس السيادة ومجلس الوزراء، متسائلاً: “إذا كانت وظيفة الديوان هي تسليم التقرير والسلام، فما الداعي أصلاً لوجوده؟”.
وأضاف أن غياب المجلس التشريعي لا ينبغي أن يعطل الدور الرقابي للديوان، خاصة أنه مؤسسة مستقلة لا تتبع لأي جهة، وتمتلك سلطات واسعة تخولها مخاطبة جميع مؤسسات الدولة.
وأشار إلى أن المادة السادسة من القانون تمنح الديوان حق طلب أي مستندات، حتى وإن كانت سرية، والدخول إلى أي مؤسسة وفي أي وقت دون إخطار مسبق، فضلاً عن استدعاء كبار المسؤولين في الدولة.
واعتبر أن هذه الصلاحيات لا تنسجم مع الاكتفاء بإيداع التقرير، وإنما تقتضي متابعة تنفيذ التوصيات، والمطالبة باسترداد الأموال العامة، ومحاسبة المتجاوزين، حتى تحقق المراجعة غايتها في حماية المال العام.

د. محمد الناير: نشر التقرير ليس من اختصاص الديوان

من جانبه، أيد الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الناير ما ذهب إليه نائب المراجع العام، مؤكداً أن الديوان أدى ما يفرضه عليه القانون بإيداع التقرير لدى السلطة التشريعية، وأن مسؤولية نشره لا تقع على عاتقه.
وقال الناير لـ”الأحداث” إن البرلمان كان، في السابق، يناقش تقرير المراجع العام ويتيحه للرأي العام، واصفاً تلك الممارسة بأنها كانت تعزز الشفافية وتفتح الباب أمام النقاش العام حول أداء مؤسسات الدولة.
وأشار إلى أن تقارير المراجع العام لم تُنشر منذ العامين الماليين 2019 ــ 2020، أي قبل اندلاع الحرب، باستثناء تصريحات مقتضبة تناولت بعض شبهات الفساد، ما يؤكد أن المشكلة ليست مرتبطة بالحرب وحدها.
وأضاف أن أزمة الشفافية لا تقتصر على تقارير المراجع العام، بل تمتد إلى الموازنة العامة، حيث لا تُنشر تفاصيلها أو أرقامها للرأي العام، كما تغيب التقارير المالية ربع السنوية، الأمر الذي يصعب على الخبراء والإعلام تقييم الأداء المالي للدولة.
ودعا الناير إلى العودة إلى النهج السابق الذي يقوم على مناقشة تقرير المراجع العام بصورة علنية، وإتاحته للرأي العام، مؤكداً أن نشر التقرير ليس من اختصاص ديوان المراجعة العامة، وإنما مسؤولية الجهة التي تتولى مناقشته.

الخلاف لا يدور حول أهمية تقرير المراجع العام، وإنما حول الجهة التي تتحمل مسؤولية إتاحته للرأي العام. فبينما يتمسك ديوان المراجعة ومن يؤيده بأنه أوفى بالتزاماته القانونية، يرى آخرون أن استقلالية الديوان وصلاحياته الواسعة تفرض عليه دوراً أكثر فاعلية في حماية المال العام وعدم الاكتفاء بإيداع التقارير.
لكن يبقى السؤال الأهم: إذا كانت تقارير المراجع العام قد أُنجزت وسُلِّمت إلى الجهات المختصة منذ سنوات، فلماذا لم تُناقش؟ ولماذا لم تُنشر؟ ومن يتحمل مسؤولية حرمان المواطن السوداني من الاطلاع على أهم وثيقة رقابية تتعلق بأمواله العامة؟

Exit mobile version