لا تهدروا الوقت في البحث عن الحلول الحقيقية في غير مظآنها، وبغير استحقاقاتها
Mazin
خالد التيجاني النور
ليست القضية إن كان هناك مأزق اقتصادي، ولكن هل تعرف الحكومة ذلك؟!
1 ليست القضية إن كانت هناك أزمة اقتصادية متصاعدة، بغض النظر عن مدى حدتها وأسبابها، أو أن هناك ظروفاً معيشية ضاغطة تكابد معظم الأسر السودانية ويلاتها، بل السؤال إن كانت الحكومة سواء على مستوى قيادتها سيادياً وتنفيذياً، فضلا عن فريقها الاقتصادي بقطاعاته المختصة كافة تعرف حقاً عواقب الوضع الاقتصادي الراهن المتفاقم بوتيرة متسارعة، وأسبابه الحقيقية التي تعرف فعلاً، ويمكن ويجب معالجتها وليس التهرب منها، وهل هي مدركة بوعي لتبعات انزلاقه نحو انفلات لا يحمد عقباه إن ظل بلا كوابح؟ 2 أدرك أنه سؤال مستفز، فكيف يتصور ألا تعرف الحكومة حقائق الوضع الاقتصادي وحيثياته بدقة، وهي مالكة المعلومات، ومتخذة القرار، وهي صاحبة القول الفصل في رسم الخطط، والسياسات، وفرض تنفيذها عبر أجهزتها المختلفة، وتعرف أكثر من غيرها ما يجري في دهاليز وكواليس مطابخ القرار. كل هذا حسن فيما يُفترض أن يكون بديهياً في شأن إدارة الحكم الراشد، وأن يكون لذلك أثره المعلوم بالضرورة إيجاباً على أرض الواقع في مواجهة تحديات المعاش التي تحاصر المواطن بلا رحمة، لا أن يُترك وحيداً وهو يتحسر على عجزه المتزايد كل يوم أمام توفير أبسط مقومات الحياة لعياله، ولا حياة لمن ينادي عسى أن يصد عنه غول الغلاء الفاحش الذي تتزايد أعباؤه كل يوم بلا كابح. 3 وسؤال إن كانت الحكومة تعرف حال الاقتصاد، لا يعني الوقوف عند ما تنقله التقارير أو مؤشرات أداء الاقتصاد التي تصدرها المؤسسات الحكومية بين فينة وأخرى مبشرة متفائلة بحال لا يصدقه واقع الحال، بل سؤال المعرفة يعني ما استقر في وعيها وسعيها انعكاس ما تقوله التقارير الرسمية على حياة سواد الناس فعلاً، وما تقوم به فعل من عمل صالح للوفاء بعهدها في وثائقها المكتوبة أن مهمتها “تحسين مستوى المعيشة للمواطنين السودانيين”، لاحظ “تحسين مستوى المعيشة” وليس “ضمان حد الكفاف” فحسب. 4 والأمر كذلك لا يسع المرء القول، وهو يرقب تفاعل السلطات الحكومية مع تدهور الأحوال المعيشية لغالب المواطنين، إلا الإقرار بأنها تفتقد بدرجة كبيرة الحساسية اللازمة للتعاطي مع هذه الأوضاع الصعبة بما تستحقه من أولوية قصوى للمسارعة في تدارك تبعاتها بحلول عملية حاسمة لا تحتمل التسويف ولا مجرد إطلاق الوعود غير المنتجة. 5 صحيح قد تجد مسؤولين كبار يتفقدون أحوال بعض المواطنين، ويجوبون الأسواق والمرافق العامة، ويصدرون “توجيهات” في عين المكان لهذا المرفق الحكومي أو ذاك بأن أفعلوا كذا أو كذا لمعالجة شكوى من قصور خدمات أو تخفيف أعباء جبايات، وهذا أمر جيّد بلا شك، وحراك مطلوب وهو من صميم الواجب وأداء المسؤولية بحقها. ولكن هذا الحراك يكتسب أهميته وقيمته الفعلية بما يترتب عليه في حال تحقيق مطالب الناس المشروعة في تحسين مستوى حياتهم بتوفر الخدمات الضرورية كافة، وتوفير سبل العيش الكريم، لا أن تتحول إلى مجرد مناسبات لتزويد آلة الدعاية الحكومية بلقطات عابرة ينتهي مفعولها بانتهاء مراسم تلك الجولات، لاهية عن المغزى الأعمق لأهمية وجود خطاب إعلامي رفيع يتجاوز سقف البروبغاندا السقيمة. 6 لست هنا بصدد تحليل أسباب تدهور أداء الاقتصاد السوداني في لحظته الراهنة، ذاك ما ظللنا نتناوله على صفحات كل عدد من “إيلاف” من زوايا مختلفة، ولكن القصد من هذا المقال تحديداً تنبيه متخذي القرار من خطورة ضعف حساسية الحكومة البائنة من عدم تلمّس تحول اتجاهات الرأي العام سلبياً إزاءها، على خلفية ما يراه وقوفها متفرجة على تزايد الضغوط المعيشية، أو على الأقل تنامي الإحساس بأن السلطات لا تفعل ما يجب أن تقوم به من فعل محسوس لكبح جماح الغلاء المستشري. ويخطئ خطأً جسيماً من يظن أن كسب ثقة الرأي العام مكفولة للسلطة بالضرورة في كل حال، وفي كل حين، فهي مؤشر موضوعي يتجه إيجاباً طالما أحسنت في خدمة الصالح العام بنهج ملموس، ولا يتردد في التحوّل سلباً إن هي أغفلت رعاية الصالح العام كما يجب. 7 وللرأي العام الحق اليقين فيما نعتبره من باب التخفيف مجرد إحساس، بينما هو في الواقع نتاج معاناة ومكابدة يومياً من أجل توفير ما يسد الرمق في وقت يتهاوى سعر صرف العملة الوطنية وتتراجع القوة الشرائية للجنيه بحدة تنهار فيها مقاومة ذوي الدخل المحدود، وليس في الأفق ما يشير إلى أن هناك تدابير حكومية عملية جادة وسريعة المردود توقف عجلة تبعات ضعف أداء الفريق الاقتصادي للحكومة، وتواضع مردود إدارته مما يرى الناس عواقبه عياناً بياناً. 8 لا يحتاج الأمر إلى نظريات اقتصادية، ولا تحليلات عميقة لمؤشرات الاقتصادي الكلي، ولا تفسيرات حكومية ليدرك المواطن البسيط حال الوضع الاقتصادي إن كان مستقراً، أو متردياً، أو متحسناً. وما أصفه ب”اقتصاد المواطن” له أدوات مؤشراته الخاصة المحسوسة المباشرة التي يقيس بها حال الاقتصاد من خلال الممارسة اليومية، فهو يعرف أن مبلغاً معيناً من العملة الوطنية يوفر له في فترة زمنية محددة سلعاً وخدمات بكمية ونوعية معينة. 9 فإن بقيت في حالها فهو تعبير عما يمكن وصفه بالاستقرار الاقتصادي، وإن زادت حصيلته من السلع والخدمات بالقيمة نفسها من المال فهذا يعني تحسن أداء الاقتصاد الذي تعبّر عنه زيادة القوة الشرائية للعملة الوطنية، في حين يعكس تناقص ما يوفره المبلغ المعين نفسه من سلع وخدمات تآكل القوة الشرائية للعملة الوطنية مما يشير إلى أنه نتاج تردي جلي في الأداء الاقتصادي الذي يزداد سوءً مع فشل السلطة الحاكمة في تدارك عجزها عن الإحاطة بالأسباب الحقيقة لأزمة الاقتصاد. 10 صحيح أن هناك تفسير علمي منهجي لقياس مؤشرات الاقتصاد الكلي التي تعكس بالضرورة مدى نجاعة النموذج والسياسات الحكومية في إدارة شؤون الاقتصاد، وقدرتها على تنفيذها بحيث تحقق النتائج المرجوة، و”اقتصاد المواطن” لا يعنيه من هذا كله إلا ما يختبره من نتاج ثمرته إن عادت عليه بخير، أو زادته رهقاً. وبالتالي فإن السياسات الحكومية وتنفيذها هي وحدها المسؤول الأول والأخير في الحكم على الأداء الاقتصادي للدولة، لذلك فإن تحسن الاقتصاد أو ترديه لا يحدث فجأة، ولا عفواً، أو بضربة لازب، بل هو حصيلة ما كسبت أيدي أجهزة الحكم المعنية بإدارة شؤون الاقتصاد، والمسؤولية هنا جماعية وتضامنية. 11 ومن المهم أن نبحث عن السبب أو جملة الأسباب التي أدت إلى هذه الوتيرة المتسارعة لتراجع سعر صرف العملة الوطنية، كما هو معلوم فإنه أحد مؤشرات الاقتصادي الكلي الأساسية، ولكنه لا يعمل وحده مستقلاً عن بقية مؤشراته، كمعدلات التضخم، عجز الموازنة، عجز ميزان المدفوع ومن ضمنه ميزان التجارة الخارجية.. إلخ وهم ما يعني في خلاصة الأمر أنه نتيجة لجملة هذه العوامل، بمعنى أدق هو عرض لمرض، وليس سبباً في أصله. من الواضح أن كعب أخيل الحكومة الحالية هو ضعف أدائها الاقتصادي، الذي يتسم بقدر كبير من العجز والفشل نتاج غياب الرؤية المبصرة، والخطة المحكمة، وتخبط السياسات، والصراعات الخفية، وتنازع الصلاحيات، وحماية مصالح “الكارتيلات” الحكومية والخاصة مما يُظن أنها تجري في الخفاء قد باتت في باب العلم العام، وتوسع الممارسات الفاسدة بلا حسيب، فضلاً عن التغطية على الفساد وإرسال القوانين والأجهزة الرقابية في إجازة. 12 دعك من الحديث المستهلك عن وضع الاستراتيجيات، التي باتت من كثرة تردادها على لسان كل مسؤول بلا معنى ولا مبنى وبالطبع بلا مردود. وهذا ترف لم يحن وقته، ولا تتوفر استحقاقاته المنهجية، والبلد لا تزال في حالة طوارئ لا تزال تكابد للتحرر من عدوان مستمر، ومن يرى مظاهر السلطة حالياً، والتكالب في بعض دهاليزها، يظن أن معركة التحرير قد انجلت، وأن الأمور عادت إلى نصابها. بم يعد الأمر يحتمل المزيد من الانتظار، فالمطلوب برامج وخطط إسعافية فعّالة وتدابير عاجلة سريعة المردود توقف النزيف، وتثّبت من الوقوع في حفرة لا قرار لها، تنهض لها سلطة سداتها التضحية والفداء، والتقشّف، والعمل الجاد بلا كلل ولا ملل. 13 ومما يؤسف له ما ورد في بيان لمجلس السيادة بالأمس عن اجتماع ناقش “حزمة من الإجراءات والتدابير لمعالجة التحديات الراهنة في سوق النقد”، “وإصدار توجيهات” لمسؤولين في القطاع الاقتصادي للحكومة تستهدف “ضبط واستقرار سعر الصرف، وتحسين الأداء العام للاقتصاد القومي”. وكأننا يا زيد لا رحنا ولا جئنا، تكرار ممل لما ظلت تفعله الحكومات المتعاقبةـ ولم يغن عنها شيئاً،، لم تنس شيئاً، ولم تتعلم شيئاً، تنتظر حتى تحدث الكارثة، لتهب في اجتماعات استعراضية في الساعة الخامسة والعشرين لتقول “نحن هنا” وقد وقع الفأس على الرأس. والأعجب أن يرد في الخبر أن المسؤولين التنفيذيين في القطاع الاقتصادي تلقوا “توجيهات” في الاجتماع للقيام بما يُفترض أنه من صميم عملهم، فماذا كانوا يفعلون إذاً؟ ويبقى السؤال أليس هناك حكومة يُفترض أن التصدي لهذا التطورات هي مسؤوليتها؟ فما دخل مجلس السيادة بذلك؟، أم يا ترى هل عاد للإشراف عليها وقد انتهى إلى أن الحكومة عاجزة عن الفعل، فقرر التدخل المباشر ؟، وهل هذا هو الحل؟ لا تهدروا المزيد من الوقت في البحث عن الحلول الحقيقية في غير مظآنها، وبغير استحقاقاتها.