لا تقسموا السودان مرة أخرى .. التقسيم لم ينجح في الماضي ولن ينجح الآن

فرانسيس م. دينق وأحمد كدودة | 8 أبريل 2026

بعد ثلاث سنوات من الحرب الأهلية الكارثية في البلاد، تحوّلت خارطة المعارك المتناثرة في السودان إلى ما يشبه التقسيم الفعلي. فقد رسّخت عبد الفتاح البرهان قواته المسلحة سيطرتها على معظم شمال وشرق ووسط السودان، بينما تهيمن محمد حمدان دقلو (حميدتي) وقوات الدعم السريع على دارفور في الغرب وأجزاء واسعة من إقليم كردفان في الوسط. وأنشأ كل طرف حكومة موازية—حكومة الجيش بين بورتسودان والخرطوم، وحكومة الدعم السريع في نيالا بجنوب دارفور—إلى جانب اقتصادين منفصلين. ورغم تأكيد الطرفين علناً أنهما يقاتلان من أجل الحفاظ على وحدة السودان، فإن استمرار هذا الانقسام يجعل إعادة توحيد البلاد أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

هذا الانقسام الجغرافي الظاهر، إلى جانب فشل محاولات عديدة للتوصل إلى تسوية سلمية تفاوضية تُبقي السودان موحداً، أعاد طرح احتمال تقسيم رسمي جديد، بعد 15 عاماً من انفصال جنوب السودان. وقد حذّرت مراكز بحثية كبرى مثل European Council on Foreign Relations من أن السودان يقترب من حافة الانقسام. كما أنشأت قوات الدعم السريع وحلفاؤها المدنيون هياكل إدارية لإدارة غرب السودان بشكل مستقل. ورغم أن بيانهم السياسي يشير إلى “وحدة طوعية” محتملة، فإنه يؤكد أيضاً أن “جميع الشعوب السودانية لها الحق في تقرير المصير”. ويتسارع الانزلاق نحو التفكك، مع سعي الدعم السريع لإنشاء بنك مركزي موازٍ، وتخطيط الطرفين لتنظيم امتحانات وطنية منفصلة.

وفي الخارج، يُنظر أحياناً إلى الجيش والدعم السريع باعتبارهما يمثلان مجموعتين هويتين مختلفتين، ما يجعل التقسيم يبدو حلاً بسيطاً للعنف المستمر. ووفق هذا الفهم السطحي، يمثل الجيش الطبقة الحاكمة التقليدية—النخب العربية النيلية والإسلاميين الذين هيمنوا طويلاً على السياسة السودانية—بينما تمثل قوات الدعم السريع وحلفاؤها مجتمعات رعوية عربية وغيرها في دارفور وكردفان، ظلت مهمشة من قبل الخرطوم.

لكن التقسيم سيكون خطأً فادحاً. لن يؤدي تقسيم السودان إلى قيام دول قابلة للحياة اقتصادياً، ولن ينهي العنف الذي يعاني منه البلد منذ ما قبل استقلاله عام 1956. ويُعد جنوب السودان مثالاً تحذيرياً: فقد كان استقلاله عام 2011 يهدف إلى حل صراع مشابه، لكنه فشل فشلاً ذريعاً، رغم حصوله على دعم دولي أكبر بكثير مما قد تحظى به أي دولتين سودانيتين جديدتين. واليوم، تمتد خطوط الصدع في السودان إلى ما هو أعمق بكثير من مجرد حالة الجمود العسكري بين الشرق والغرب. وأي محاولة لإضفاء طابع رسمي على هذا الانقسام لن تعالج جذور الصراع، بل قد تفاقمه.

الماضي مقدمة لما سيأتي

لطالما كان السودان من أكثر دول أفريقيا تنوعاً، وقد تشكّل بحدوده الحالية نتيجة اعتبارات استعمارية. ضمّ منذ نشأته مئات المجموعات العرقية؛ حيث تركزت المجتمعات العربية المسلمة على ضفاف النيل، بينما سادت المجتمعات غير العربية المسيحية والوثنية في الجنوب. وخلال نصف قرن من الحكم البريطاني الذي بدأ عام 1899، ترسّخت هذه الانقسامات، إذ مُنحت النخب النيلية مواقع السلطة، وتم تطوير البنية التحتية في الشمال بشكل شبه حصري، بينما خضع الجنوب لسياسة منفصلة أبقته متخلفاً عمداً.

وعندما نُقلت السلطة إلى النخب الشمالية قبيل الاستقلال عام 1956، اندلعت الحرب الأهلية. وقد انهار اتفاق السلام لعام 1972 خلال أقل من عقد بعد فرض الشريعة الإسلامية على مستوى البلاد. وكانت الحرب الأهلية الثانية أكثر دموية، إذ قُتل أكثر من مليوني شخص بين 1983 و2005. وأنهى اتفاق السلام عام 2005 القتال ومهّد لاستفتاء تقرير المصير في 2011، الذي صوّت فيه 99% من الجنوبيين لصالح الانفصال.

تمسك الاتحاد الأفريقي وقادة القارة بمبدأ الحفاظ على الحدود الاستعمارية لتجنب النزاعات، لكن تقسيم السودان قُبل كاستثناء، انطلاقاً من اعتقاد بأن الشمال العربي المسلم والجنوب الأفريقي المسيحي لا يمكن أن يتعايشا في دولة عادلة موحدة. وضخّت الولايات المتحدة وأوروبا موارد كبيرة في جنوب السودان، أملاً في أن تؤدي موارده النفطية إلى الاستقرار والتنمية.

لكن هذا التفاؤل تبخّر سريعاً. فالصراع لم يكن بسيطاً كما بدا، بل نتج عن فشل الدولة السودانية في إدارة التنوع. وبعد الاستقلال، ظهرت نزاعات جديدة حول الموارد والسلطة. وسرعان ما دخلت النخب الجنوبية في صراع فيما بينها، مستخدمة نفس أساليب الإقصاء والتعبئة العرقية. وفي أواخر 2013، اندلع نزاع بين سلفا كير ونائبه ريك مشار، تطور إلى حرب أهلية أودت بحياة نحو 400 ألف شخص خلال خمس سنوات.

لا حل سهل

تجربة جنوب السودان تُظهر أن التقسيم لا يحل شيئاً عندما تُعامل الدولة كغنيمة، لا كمؤسسة لخدمة المواطنين. تقسيم السودان مجدداً سيعيد إنتاج عدم الاستقرار، خاصة وأن أي دولتين جديدتين لن تحظيا بالدعم الدولي الذي تلقاه جنوب السودان. كما أن توزيع الموارد يجعل التقسيم غير منطقي اقتصادياً؛ فالجيش يسيطر على الموانئ والبنية التحتية، بينما تسيطر قوات الدعم السريع على مناطق إنتاج النفط والثروة الحيوانية والصمغ العربي.

وسيؤدي التقسيم إلى دول ضعيفة اقتصادياً، تعتمد على التهريب والصراعات، مع صعوبة تصدير الموارد دون تعاون بين الطرفين، وهو أمر غير مرجح. كما أن الانقسامات الإثنية على الأرض أكثر تعقيداً من أي تقسيم جغرافي مبسط، ما سيترك مجموعات سكانية كبيرة تحت سلطات معادية أو في أوضاع هشّة.

في جوهره، لا يتعلق العنف في السودان بالسيطرة على الأرض بقدر ما يرتبط بفشل تاريخي في إدارة الحكم والموارد. وقد تحولت الحرب الحالية إلى صراعات متعددة حول الأرض والمياه والثروات، مع تسليح الطرفين لمجموعات محلية ذات أجندات خاصة.

حل مؤقت لا يعالج الجذور

الرهان على التقسيم كحل سريع يُسيء فهم طبيعة الصراع. فأي وقف لإطلاق النار يجمّد خطوط القتال لن يعالج الأسباب العميقة، بل سيخلق إطاراً جديداً لاستمرار النزاعات. كما سيؤدي تقسيم السودان إلى زعزعة استقرار دول الجوار مثل تشاد وإثيوبيا وإريتريا وجنوب السودان، مع احتمال تصاعد الصراعات الإقليمية.

الطريق إلى الأمام

لا يمكن إنهاء الحرب عبر التركيز فقط على طرفي الصراع أو محاولة تقاسم السلطة بينهما. التقسيم سيؤجل فقط مهمة بناء نظام حكم شامل، ويخلق دولتين ضعيفتين. الحل الحقيقي يتطلب معالجة جذور الصراع، وإشراك المدنيين، وتحقيق العدالة، وتوفير الاحتياجات الإنسانية العاجلة.

ويجب على الفاعلين الإقليميين والدوليين—خاصة مصر وإثيوبيا والسعودية والإمارات—فرض حظر على السلاح، ومعاقبة المعرقلين، ودعم المبادرات المدنية، وربط أي اعتراف دولي بالتزام حقيقي بحماية المدنيين.

تتجه الأوضاع على الأرض نحو التفكك، لكن تجربة جنوب السودان تؤكد أن الانفصال لا ينهي الصراع، بل يعيد إنتاجه. وتقسيم السودان مجدداً سيأتي بثمن أكبر بكثير

Exit mobile version