محمد عثمان مصطفى (دبايوا)
اشتعلت في السودان حربٌ ضروس فجّرتها فئةٌ مارقة، غذّتها تدخلات ومطامع خارجية، فوضعت الشعب السوداني أمام واحدة من أقسى المحن في تاريخه الحديث. وقد شهد الوطن خلالها موجات مؤلمة من التهجير والقتل والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، في مأساة تركت آثارًا عميقة في حياة الناس وفي وجدان المجتمع.
ومع اقتراب الحرب من نهاياتها واستعادة البلاد تدريجيًا لعافيتها، تبرز مسؤولية وطنية ملحّة: ألا تُترك هذه الأحداث عرضة للنسيان. فتوثيق ما جرى ليس استدعاءً للألم بقدر ما هو ضرورة لحفظ الذاكرة الجماعية، وتمكين الأجيال القادمة من فهم ما حدث واستخلاص دروسه.
ومن هذا المنطلق، تبدو فكرة إنشاء متحف قومي مستقل لتوثيق هذه الحرب وآثارها على الشعب السوداني خطوة مهمة في مسار بناء الوعي الوطني. فمثل هذا المتحف يمكن أن يكون مؤسسة لحفظ الشهادات والوثائق والمواد التي تعبّر عن تجربة المجتمع خلال هذه المرحلة، وأن يحوّل المعاناة إلى معرفة تسهم في تعزيز ثقافة السلام.
وندعو وزارة الثقافة والإعلام والسياحة والآثار أن تبادر إلى دراسة هذا المشروع والشروع فيه دون تأخير، قبل أن تؤدي عمليات إعادة الإعمار إلى اختفاء كثير من الشواهد المادية المرتبطة بالحرب. كما أن تخصيص موارد مالية لهذا العمل التوثيقي، رغم التحديات الاقتصادية، يُعد استثمارًا في ذاكرة الوطن وهويته.
ويُستحسن أن يكون المتحف كيانًا قوميًّا قائمًا بذاته، مع إمكانية إنشاء مراكز أو معارض فرعية في عواصم الولايات لتوثيق التجارب المحلية. ولهذا الغرض، يمكن تشكيل مجلس وطني يضم مختصين في التاريخ والآثار والتوثيق، إلى جانب فنيين وإعلاميين، للإشراف على جمع المواد وتنظيمها وفق رؤية علمية ومهنية.
لقد أنشأت دول كثيرة حول العالم متاحف مخصصة لتوثيق حروبها وكوارثها، إدراكًا منها أن صون الذاكرة جزء أساسي من بناء المستقبل. وبالنسبة للسودان، فإن توثيق هذه المرحلة يمثل فرصة لتعزيز الوعي بتاريخ البلاد الحديث، وترسيخ قيم الحوار والسلام، حتى لا تتكرر مثل هذه المآسي.
إن متحفًا لذاكرة الحرب لن يكون مجرد سجل للماضي، بل جسرًا نحو مستقبل أكثر وعيًا وصلابة.