بعد أن دخلت الحرب في السودان عامها الرابع، أصبحت أكبر أزمة إنسانية في العالم. فقد قُتل ما لا يقل عن 59 ألف شخص، ونزح أكثر من 14 مليوناً، فيما أدى الجوع والعنف الجنسي واسع النطاق إلى ترك ملايين الأشخاص في حاجة ماسة إلى الغذاء والدواء والدعم النفسي.
يدرك السودانيون أن الحرب يجب أن تنتهي، وبإذن الله ستنتهي. لكن بعد أكثر من اثنتي عشرة هدنة فاشلة توسطت فيها أطراف دولية، آن الأوان لوضع نهاية دائمة لهذه الحرب، حتى لا تعود البنادق إلى إطلاق النار عندما يدير العالم ظهره. وهذا ما يطلبه مني المدنيون السودانيون، بصفتي رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان، ومن الآخرين الذين أُوكلت إليهم مسؤولية الحكم: أن تنتهي الحرب بصورة نهائية، وأن يتوقف تماماً التدخل الأجنبي الذي مزّق أمتنا واستفاد من معاناتنا.
إن الحرب في السودان ليست قتالاً بين «فصيلين»، وليست «حرباً أهلية»؛ فالدولة السودانية ذات السيادة وميليشيا قوات الدعم السريع لا تقفان على قدم المساواة من الناحيتين الأخلاقية والقانونية. بل إن ما يجري هو اعتداء على دولة عضو في الأمم المتحدة من جانب جماعة شبه عسكرية تعيش على النهب والقتل والتطهير العرقي. ولذلك يجب ألا تُمنح قوات الدعم السريع الشرعية، وألا تُعامل كشريك مساوٍ. فقادة قوات الدعم السريع ــ محمد حمدان دقلو ونوابه البارزون ــ هم أنفسهم القادة الذين أصدروا الأوامر لميليشيا الجنجويد باغتصاب وقتل المجتمعات غير العربية في دارفور في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
في العام الماضي، انتهى حصار الفاشر الذي استمر 30 شهراً بمجزرة جماعية. دُمّرت أحياء بأكملها، وقُتلت أسر داخل منازلها، وتحللت الجثث في الشوارع دون أن يجد من يدفنها. وقبل الهجوم، أحصت الأمم المتحدة أكثر من 260 ألف مدني محاصرين داخل المدينة، كان نصفهم من الأطفال. ومنذ سقوط الفاشر في أكتوبر 2025، سجلت الأمم المتحدة نزوح نحو 127 ألف شخص من المدينة والقرى المحيطة بها. وعلى الرغم من أن المحققين المستقلين لم يتمكنوا من دخول المدينة، فقد عثر محللو الأقمار الصناعية في جامعة ييل على أدلة على وجود مقابر جماعية، بما يشير إلى استهداف متعمد للمدنيين، فيما خلصت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق إلى أن الفظائع تحمل «سمات الإبادة الجماعية».
لا تستطيع ميليشيا وحدها مواصلة حرب بهذا الحجم. فقد عزز مئات المقاتلين الأجانب صفوف قوات الدعم السريع منذ عام 2024، بعد تجنيدهم عبر شبكات تمولها كيانات عابرة للحدود تعمل في عدة دول. وقد حظي ذلك باعتراف واسع النطاق؛ ففي يونيو، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على ثمانية أفراد وكيانات مرتبطة بتلك الشبكات. وفي الشهر الماضي، استهدفت الطائرات المسيّرة الخرطوم ومدناً أخرى في أكبر وابل منسق من الهجمات تشهده البلاد منذ أشهر، وهو ما أظهر القدرات العسكرية المتطورة بصورة متزايدة، والتي أتاحها التدخل الأجنبي.
الحكومة التي أقودها حكومة انتقالية وغير كاملة. ونحن نقبل معايير القانون الدولي، وسنُحاسب على أساسها. لكن، خلافاً لقوات الدعم السريع، فإن هذه الحكومة هي السلطة الشرعية لدولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة، وهي مسؤولة أمام شعبها. وقد أعاد مجلس الأمن الدولي التأكيد على «سيادة السودان واستقلاله ووحدته وسلامة أراضيه»، ورفض سلطة قوات الدعم السريع في الأراضي التي تسيطر عليها. كما يدرك شعبنا ذلك جيداً: فعندما تتقدم قوات الدعم السريع يفر الناس، وعندما تستعيد الدولة سلطتها يعود الناس إلى ديارهم. وقد عاد نحو 4 ملايين سوداني إلى الخرطوم والجزيرة وسنار، عقب انسحاب قوات الدعم السريع من تلك المدن.
لقد طرحت أمام مجلس الأمن خطة لإرساء وقف دائم لإطلاق النار والانتقال إلى حكم شامل للمدنيين. وبإشراف الأمم المتحدة ومساعدتها، سيتم إخراج المقاتلين والأسلحة من المناطق المدنية، بما يهيئ مساراً واضحاً للتوصل إلى تسوية تُمكّن الدولة من ممارسة الحكم في سلام.
وبعد وقف إطلاق النار، يجب أن يستند الأمن إلى جيش وطني واحد تحت إشراف مدني، بدلاً من قوات مسلحة موازية ذات ولاءات وممولين متنافسين. ويجب التوصل إلى تسوية سياسية من خلال حوار سوداني، وأن يكتب السودانيون بأيديهم الدستور المقبل، لا أن تتم صياغته في الخارج. ومن شأن انتخابات حرة ونزيهة وتحت إشراف دولي، يعقبها انتقال سلس للسلطة، أن يعيد زمام القرار إلى الشعب.
ولذلك يجب أن يكون السلام سودانياً خالصاً ــ يصنعه السودانيون، ومن أجل السودانيين، وفي السودان. إن الشراكة موضع ترحيب، ويمكن للمراقبين الموثوقين أن يضيفوا ــ بل ينبغي لهم أن يضيفوا ــ قدراً من الضبط والشرعية. لكن السلام الذي يُملى من الخارج لا يدوم. فقد انهارت اتفاقات وقف إطلاق النار خلال هذه الحرب لأنها صيغت بشأن السودان من دون مشاركة السودان، ولأن رعاتها كانوا يدركون أنهم لن يدفعوا الثمن إذا فشلت تلك المفاوضات. وتحولت «الهدنة» إلى فرصة لقوات الدعم السريع وداعميها لإعادة تنظيم صفوفهم، بينما انصرف اهتمام العالم مرة أخرى، وهو ما تجلّى بصورة مروعة في مجزرة الفاشر. لقد عاش السودان هذه الدورة، ولن يقبل بتكرارها مرة أخرى.
وفي الوقت الذي تقدم فيه حكومتنا الشرعية خطة، يتعهد زعيم ميليشيا بمواصلة القتال لمدة 40 عاماً إذا لزم الأمر. وبالنسبة إلى المجتمع الدولي، فإن الخيار واضح: دعم تسوية تستند إلى السيادة والقانون، أو الانخراط في مساواة زائفة عبر منح قادة قوات الدعم السريع الشرعية، والسماح باستمرار حرب السودان التي لا تنتهي.
ومع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الأسبوع، أدعو المجتمع الدولي إلى الالتزام بأربع أولويات:
أولاً: دعم الخطة التي قدمتها إلى مجلس الأمن.
ثانياً: قطع التمويل وخطوط الإمداد التي تمكّن قوات الدعم السريع من مواصلة قتل المدنيين السودانيين.
ثالثاً: تقديم المساعدة والدعم للأمم المتحدة لمراقبة أي وقف إطلاق نار مستقبلي.
رابعاً: منح السياسة السودانية المجال لتقرر ما سيأتي بعد ذلك.
طلبي بسيط: ثقوا بأمتنا كي تكتب سلامها بنفسها، واستخدموا نفوذكم للمساعدة في الحفاظ عليه. لقد طُلب من السودان أن يقبل بأقل بكثير مما يستحق، من خلال شروط ملائمة لعواصم بعيدة، وهدن أُطلق عليها خطأً اسم السلام. أما الذين تحملوا هذه الحرب، فقد اكتسبوا الحق في تحديد السلام الذي ينهيها.
ولتكن هذه الكلمات هي التي ترشد أي تسوية:
سلام سوداني الصنع، لا سلام مفروض.
سلام يقوم على القانون والمؤسسات القوية.
سلام يليق بأولئك الذين قدموا كل شيء من أجله.
هذا هو السلام الذي يستطيع السودان أن يبنيه، بمساعدة العالم.