كيف تقرأ القوى السياسية السودانية صراعات الشرق الأوسط؟

أعاد التصعيد العسكري الأخير في الشرق الأوسط، وبخاصةٍ المواجهة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، طرْح أسئلة قديمة في الخطاب السياسي السوداني حول موقع البلاد من صراعات الإقليم. لقد صدرت بيانات وتصريحات من أحزاب وتحالفات سياسية تعكس انقساماً واضحاً في قراءة هذه التطورات، بين خطاب يساري يربط الصراع بسياسات الهيمنة الغربية، ومقاربات قومية ترى في إسرائيل الطرف المركزي في التوترات الإقليمية، ومواقف أخرى تركّز على أمن الخليج والاستقرار الإقليمي، بينما فضّلت بعض القوى السياسية الدعوة إلى تحييد السودان عن صراعات المنطقة.

وتكشف متابعة المواقف السياسية خلال الأشهر الماضية عن خريطة سياسية مُتعدِّدة الاتجاهات، تتداخل فيها الخلفيات الأيديولوجية مع الحسابات الجيوسياسية والتحالفات الإقليمية. وقد فرض واقع حرب السودان المندلعة منذ أبريل 2023، تجاذبات وتنافرات في المشهد السياسي، وتغيّرت حالة الاصطفاف والتحالف بين مختلف القوى السياسية، وهو موقف ناتج من رؤيتها وفهمها لطبيعة الحرب، لتُضيف تعقيداً سياسياً على تعقيد الحرب نفسها. وتشير تقارير دولية إلى أنّ استمرار الحرب في السودان يرتبط بدعمٍ تُقدِّمه قوى إقليمية لأطراف النزاع، وهو واقع انعكس على مواقف القوى السياسية السودانية بين الاصطفاف مع هذه المحاور أو محاولة تجنّبها أو الصمت تجاهها.

تبدو المواقف السياسية الراهنة أقلّ انشغالاً بذلك الأفق الاستراتيجي الكوني الذي ميّز بعض رموز الفكر والسياسة في السودان بعد الاستقلال. فالناظر إلى كثير من المواقف الحالية قد لا تخطئ عينه ميلاً إلى الانشغال بما هو قريب ومباشر، كأنّ السياسة لا ترى أبعد من طين الحقول تحت الأقدام، أو كأنّ الرأي السياسي يُستخرج من جيب القميص الأمامي، فيغيب النظر إلى حاجات الناس عند التقاط الموقف السياسي، وتُختزل السياسة في حدود اللحظة.

في الظاهر، تبدو بيانات القوى السودانية حول ما يجري في الشرق الأوسط محضَ بيانات تضامن أو إدانة تصدرها الأحزاب كلما اشتعلت حرب في مكان بعيد. لكن تحت اللغة تكمن أجندة الحرب السودانية التي بدأت صراعاً داخلياً على السُّلطة في أبريل 2023، واخترقتها مع الوقت الصراعات الإقليمية.

وبينما تُدين الحكومة السودانية الهجمات الإيرانية على بعض دول الخليج وتدعو إلى احترام القانون الدولي، تتحدّث تقارير دولية في الوقت نفسه عن طائرات مُسيّرة إيرانية تُحلّق في سماء المعركة السودانية. وعلى الطرف الآخر، يَقِفُ تحالفُ تأسيس المُرتبط بقوات الدعم السريع مُندّداً بإيران ومُتضامناً مع دول الخليج، في موقف يبدو مُنسجماً مع التقارير التي تتحدَّث عن علاقات وثيقة بين الدعم السريع والإمارات، واتهامات بوجود قنوات دعم تمرُّ عبر تشاد. إنّ المُفارقة الأوضح هي أنّ الشرق الأوسط، أصبح حاضراً في تفاصيل الحرب السودانية أكثر من ذي قبل، كأنّ السودان لا يَقرأ أخبار المنطقة من بُعْد، بل يُقلّب صفحة أخرى من قصّته الخاصة.

على المستوى الرسمي، عبّرت وزارة الخارجية السودانية عن إدانتها لما وَصَفَتْهُ بالاعتداء الإيراني، داعيةً إلى الامتثال لمبادئ القانون الدولي والعودة إلى طاولة المفاوضات. كما أعلنت تضامن السودان مع عدد من الدول الخليجية التي تعرَّضت للهجمات، عدا الإمارات بالتأكيد، والتي بدورها لم يُعجبها قطعاً هذا التناسي الدبلوماسي.

لم يَخرج موقف الحزب الشيوعي السوداني عن تقاليده السياسية في قراءة الصراعات الدولية. فقد حملت افتتاحية صحيفة الميدان، لسان حال الحزب، خطاباً أشدَّ حِدَّةً، إذ وصفت الهجوم بأنه «هجوم أمريكي-صهيوني على إيران واستخفاف مُطلق بأمن الشعوب وحقّها في الحياة والسيادة»، مُعتبرةً أنه يُمثّل «حلقةً جديدةً في سلسلة السياسات العدوانية للإمبريالية الأمريكية التي تسعى لفرض إرادتها بالقوة العسكرية في الشرق الأوسط». وفي السياق نفسه، حمّلت الافتتاحية ما وصفته بـ«الأنظمة العربية المتواطئة والمؤسسات الدولية العاجزة» مسؤولية الصمت تجاه هذا التصعيد. ومن المُلاحظ هنا، أنّ الشيوعي لم يحدّد موقفاً واضحاً من هجمات إيران على بعض دول الخليج، وهو ما يَعكس نمطاً مألوفاً في خطاب اليسار العربي الذي يُركّز على نقد الدّور الأمريكي والإسرائيلي أكثر من تناوله أفعال القوى الإقليمية الأخرى، ضمن مشروع مُناهضة الهيمنة الإمبريالية وإعلان التضامن مع القوى الديمقراطية والتقدمية.

وكان هذا هو ذات موقف الحزب في السابق. ففي بيان صادر عن المكتب السياسي للحزب في 14 يونيو 2025، أدانَ الحزبُ الهجوم الإسرائيلي على إيران، واعتبرَه «انتهاكاً فاضحاً للقانون الدولي ويهدّد بتوسيع التوترات في المنطقة»، مؤكّداً أنّ احترام الحدود الدولية يمثّل شرطاً أساسياً للاستقرار الإقليمي والدولي. ولم ينسَ البيانُ بالضرورة «تضامن الحزب الكامل مع الشعب الإيراني وقواه الديمقراطية والتقدّمية، ومع شعوب المنطقة كافة، في وجه سياسات العدوان الصهيوني، التي تُهدّد أمن واستقرار الجميع».

في المقابل، أدان تحالف القوى المدنية الديمقراطية – صمود ما وصفه بـ«العدوان الغاشم الذي تم على السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت والأردن، والذي نفذه النظام الإيراني رغم علمه بمواقف هذه الدول التي أعلنت مبكراً رفضها للتصعيد في المنطقة، ودعوتها للتهدئة واتباع السبل الدبلوماسية في حل النزاعات». بينما لم يَصدر أي بيان أو تصريح عن هيئات التحالف أثناء حرب الاثني عشر يوماً.

وتبنّت بعض القوى السياسية خطاباً يركّز على البُعد الإنساني للصراع. فقد دعا رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان – التيار الثوري الديمقراطي ياسر عرمان، إلى رفض الحروب وما يتعرّض له المدنيون في المنطقة من استهداف، قائلاً إنّ «الاستقامة الإنسانية تجعلنا نقف ضد الحروب وضد استهداف المدنيين في أي مكان في العالم». وأشار عرمان إلى أن توسّع الحرب في الخليج قد تكون له انعكاسات مباشرة على السودان والمنطقة، مُحذِّراً من أن التصعيد الإقليمي قد يؤدي إلى تراجع الاهتمام الدولي بالأزمة السودانية.

يعكس موقف حزب المؤتمر السوداني، المنتمي إلى تحالف صمود، مُقاربة أكثر براغماتية عُرف بها في قراءة الصراع الإقليمي، فلدى الحزب سماتٌ واضحة، تتَّضحُ في استخدام عباراتٍ من شاكلة «المشاريع المُتطرّفة»، و«زعزعة الاستقرار». والحزب الذي لم يصدر بياناً حول حرب الاثني عشر يوماً في يونيو 2025، أدان في مارس الجاري استهداف إيران لدول مجلس التعاون الخليجي والأردن، وعدّه «انتهاكاً لسيادة هذه الدول وتهديداً مباشراً لأمن واستقرار الإقليم». ومع ذلك، لم يتوانَ المؤتمر السوداني عن الابتعاد فرسخاً عن البراغماتية الدبلوماسية، حين ذكَّر «بالدَّور الذي لعبه النظام الإيراني في دعم نظام المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية في السودان» خلال العقود الماضية، «وتمكين مشاريع مُتطرّفة أدخلت البلاد في دوامات من الحروب والقمع والعزلة الدولية». وأكّد الحزب تمسّكه «بنبذ العنف وترجيح الحلول السلمية للنزاعات واحترام القانون الدولي»، وهو خطاب يعكس توجّهاً داخل جزء من التيار المدني السوداني يَميل إلى مُقاربة السياسة الخارجية من زاوية الاستقرار الإقليمي.

تَظهر المقاربة القومية العربية بوضوح في مواقف الأحزاب البعثية في السودان. فالساحة السياسية السودانية تضمّ حزبين بعثيين مختلفين تنظيمياً: حزب البعث العربي الاشتراكي (الأصل)، وحزب البعث القومي السوداني.

في مواقف حزب البعث القومي، المنتمي إلى تحالف القوى المدنية الديمقراطية – صمود، يظهر خطاب يجمع بين إدانة إسرائيل والتحذير من توسيع الحرب في المنطقة. فقد صرّح القيادي بالحزب كمال بولاد في يونيو 2025 بأن «الهجوم الصهيوني على إيران يعكس بوضوح التفوّق التقني والعسكري والاستخباراتي لإسرائيل وطبيعته العدوانية». وفي بيان لاحق في مارس الجاري، أدان الحزب ما وصفه بـ«الهجوم الصهيوني-الأمريكي على إيران»، لكنه انتقد كذلك ردّ الفعل الإيراني باستهداف دول الخليج، مُعتبراً أن ذلك قد يؤدّي إلى توسيع نطاق الحرب في المنطقة.

أما حزب البعث العربي الاشتراكي (الأصل)، الذي خرج من تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير عقب انقلاب أكتوبر 2021، فيَميل خطابه إلى تفسير الصراع في إطار أوسع يتعلَّق بالسياسات الأمريكية في المنطقة، مع التركيز على دَور القوى الدولية في إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط. وفي بيان للحزب بتاريخ 11 مارس، حول قرار أمريكي يتعلَّق بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان، أشار الحزب إلى أنّ «قراءة هذا القرار لا يمكن فصلها عن سياق التوجّهات والمصالح والحسابات الاستراتيجية للإمبريالية الأمريكية المُرتبطة بتطورات ونتائج حربها والكيان الصهيوني في مواجهة إيران».

يَعكس موقف حزب الأمة القومي بدَوره تعددية داخلية في قراءة الصراع الإقليمي، تعكس صعوبة تحديد موقف موحّد للحزب، الذي يضمّ داخله تيارات سياسية وفكرية مختلفة. فقد أدان مجلس التنسيق بالحزب في يونيو 2025 هجوم دولة الاحتلال الإسرائيلي على إيران، مُعتبراً أنه «انتهاك صارخ للقانون الدولي وتهديد مباشر للأمن والسلم الدوليين». لم تختلف لغة الحزب في الأحداث الجارية الآن، وإن كانت المواقف قد اختلفت. فقد أدان في مارس الجاري الهجمات الإيرانية على دول الخليج، ما اعتبره مكتب رئيس الحزب «انتهاكاً صارخاً لمبادئ حسن الجوار، وميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي». وأعلن المكتب تضامنه مع «الأشقاء في الدول المستهدفة»، مؤكّداً أن أمن الخليج العربي كلٌّ لا يتجزأ، ودعا إلى «تغليب لغة الحوار والحلول الدبلوماسية».

وبطبيعة الحال، تضامَنَتْ التيّارات الإسلامية في السودان مع إيران في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة. وقد صدرت تصريحات عن قيادات مرتبطة بالحركة الإسلامية تُشير إلى الاستعداد لدعم إيران في حال توسّع الحرب، وهو خطابٌ يَعكس استمرار الروابط الأيديولوجية بين بعض التيارات الإسلامية السودانية وما يُعرف بمحور المقاومة في المنطقة. وكانت النتيجة هي إعلان الحكومة الأمريكية «الإخوان المسلمين»، تنظيماً إرهابياً، بكلِّ ما يحمله ذلك من تبعات على الناس المنسيّين.

لم يكد يمضي اليوم الأول من حرب الشرق الأوسط، حتى خرج تحالف تأسيس بتصريح صحافي عبر ناطقه الرسمي، ابتدره بأنّ «مواجهة الإرهاب الإقليمي والدولي، تمثل أولوية قصوى لحماية شعوب المنطقة وضمان مستقبلها»، وأدان بنحوٍ قاطع «اعتداءات إيران على كل الدول التي تعرّضت لاعتداءات استهدفت سيادة أراضيها وأمنها من قبل النظام الإيراني»، بما في ذلك دولة الإمارات. وأضاف التصريح أن «تأسيس ستواصل النضال لمواجهة كل أشكال الإرهاب». لم يُصدر التحالف بياناً أو تصريحاً، حول حرب الشرق الأوسط في يونيو 2025، لكنه لم ينسَ الاحتفاء بتصنيف «الإخوان المسلمين» تنظيماً إرهابياً دولياً.

تكشف الاصطفافات الإقليمية المُرتبطة بالحرب السودانية، أنّ النزاع الذي بدأ صراعاً داخلياً على السلطة أخذ يتسلّل بهدوء إلى خرائط أوسع من حدود البلاد، يحاول أن يجد لنفسه مكاناً بين حروب المنطقة المُتكاثرة. فكلما ازداد ارتباط أطراف الحرب بمحاور خارجية، أضحى الصّراع أقلَّ محليَّة وأكثر شبهاً بحرب تتنازعها خرائط الآخرين. وفي بلد يُطلّ على ساحل البحر الأحمر، لا تبدو الجغرافيا بريئة تماماً، إذ يتحوّل البحر أحياناً من محض ممرّ للسفن إلى ممرّ للأطماع أيضاً. لكن رغم هذا الضجيج الإقليمي، تبقى الحقيقة الأكثر بساطة وربما الأكثر سخرية: الحروب قد تتلقّى الدعم من الخارج، لكنها نادراً ما تنتهي هناك. وقد يأتي السلاح من على البعد، وقد تُكتب البيانات بلغات مُتعدِّدة، لكن الحرب السودانية ستظل في النهاية مسألة سودانية، يُقرّرها ميزان القوى داخل البلاد بقدر ما يُقرّرها إرهاق الجميع من استمرارها. وفي منطقة اعتادت أن تُصدّر الحروب أكثر مما تُصدّر السلام، يبدو السودان وكأنه يتعلّم درساً قديماً بصيغة جديدة: إنّ الجغرافيا قد تفتح الباب للرياح، لكنها لا تُجبر البيت على الانهيار.

Exit mobile version