كسر حصار الدلنج: قراءة في التداعيات السياسية والعسكرية

احمد شموخ

تحرير الجيش ومسانديه لمدينة هبيلا الاستراتيجية بولاية جنوب كردفان، وكسر حصار مليشيات أبوظبي – الحلو والجنجويد – على مدينة الدلنج الصامدة بعد 1017 يومًا، حدث مركّب قد لا يقلّ أهمية عن معركة تحرير جبل موية في أكتوبر 2024.

وفي هذا اليوم لا بد من توجيه تحية العرفان والامتنان لتضحيات أبطال اللواء 54 الدلنج بقيادة البطل القائد العميد ركن الزاكي كوكو خالد، وقد كان برتبة العقيد عند اندلاع حرب الغزو الامارتي. تسلّم العميد الزاكي قيادة اللواء قبل أوانه وواجه تحدّيات ومشاق وجودية هدّدت المدينة العريقة، صبر عليها وتحمّل المسؤولية الوطنية والتاريخية وحافظ على وحدة القوات كلها في المدينة وعلى أمن المواطنين وعلى كيان مؤسسات الدولة حتى انتصر وانكسر الحصار، وهم كانوا قلّة في عددهم، كثيرٌ في صلابتهم وإرادتهم ووطنيّتهم وارتباطهم الحضاري العميق بأرضهم وتاريخهم الملئ بالعزّة والتحدي والدفاع ضد الظلم.

لقد تمّ كسر حصار الدلنج من المدخل الشرقي للمدينة، وليس عبر المدخل الشمالي أو الطريق القومي الذي حاول الجيش اقتحامه في العام الماضي مروراً بالدبيبات. هذا التحوّل يعكس تعديلًا محسوبًا ومرونة عالية في الخطة العسكرية، إذ فاجأت القوات المسلحة الجميع باختيار مسار غير مُعبّد ووعر عبر الجبال الشرقية، مكّنها من كسر الحصار وإسقاط واحدة من أهم نقاط الالتقاء بين مليشيات أبوظبي الإرهابية التابعة للحلو ولآل دقلو.

وتكمن أهمية هذا التطور في أن تداعياته السياسية لا تقلّ وزنًا عن إنجازه العسكري، إذ يُشكّل إعلانًا عمليًا لتكسير إحدى حلقات مؤامرة احتلال السودان واستتباع مؤسساته السيادية، عبر تسويق حرب العدوان كـ«نزاع سيادة» بين طرفين متساويين في الشرعية، بهدف توفير الغطاء السياسي والدبلوماسي لمخطط تقسيم السودان، وتفكيك كيانه، وتدمير بنيته الحضارية والمؤسسية، وابتزاز الدولة للقبول بالوجود المؤسسي لمليشيات الإبادة، ومعها شبكات من السياسيين والإعلاميين.

وتكمن القيمة العملياتية لتحرير هبيلا، وكسر حصار الدلنج، والاقتراب من سدّ ثغرة “كيقا التقاطع”، في الفصل الميداني الحاسم بين قوات أبوظبي المتمثلة في مليشيا الحركة الشعبية – الحلو، ومليشيا الجنجويد، في جنوب وغرب كردفان. وهذا التطور يعني عمليًا تصفية مؤامرة نيروبي التي هندستها أبوظبي عبر توزيع الأدوار بين طرفي “تقدم” بعد مسرحية فكّ الارتباط وتحويلهم لـ “تأسيس” و”صمود”، بالإمعان في تصوير حرب الغزو الإماراتي كصراع سياسي له مشروعية سياسية وشرعية تاريخية بين “سلطتين” و”طرفين” و”جنرالين” متساويين.

وبهذا الإنجاز كذلك تنكسر خطوط إمداد الحركة الشعبية – الحلو القادمة من أبوظبي عبر حدودنا الغربية من شرق ليبيا وتشاد وافريقيا الوسطى، ولا يبقى لها سوى خط محدود من جنوب السودان يبدو أن الحكومة تعمل على غلقه. كما أن فتح طريق الدلنج – كادقلي يضع قوات الحلو الإرهابية بين فكي كماشة الفرق العسكرية 14 كادقلي و10 أبو جبيهة و5 الأبيض. ويمثل ذلك إعلانًا عمليًا آخر لانهيار مؤامرة نيروبي، ومشروع استنساخ السيناريو الليبي في السودان عبر إنتاج سلطة موازية، بما يمهّد الطريق لاقتحام كاودا، واستئناف مسار التحرير الوطني بدخول ولاية غرب كردفان الجريحة، والتقدم غربًا حتى أم دافوق، وشمالًا حتى منطقة المثلث، وصولًا إلى تأمين الحدود الدولية للسودان وصون سلامة ووحدة الإقليم الجغرافي للدولة.

إن تحرير هبيلا من قبضة مليشيات أبوظبي – الجنجويد والحركة الشعبية – وفك حصار الدلنج الصامدة، يعني ربط المدينتين وسكانهما بعمق الدولة شمالًا حتى الخرطوم، وشرقًا حتى ساحل البحر الأحمر. ويمثل ذلك انفتاح شريان حيوي بطول يقارب 1800 كيلومتر، لكل ما يتصل بالإمداد واللوجستيات والعلاج والغذاء، وهي متطلبات حياتية وأمنية لمئات الآلاف من المواطنين الذين سعت أبوظبي، عبر الحصار، إلى كسر إرادتهم واستخدام معاناتهم كورقة ابتزاز لإجبار الدولة على القبول بإعادة إنتاج أدواتها الجنجويدية والقحاطية، سواء في مسار وقف الحرب عسكريًا أو في هندسة الانتقال السياسي.

ويمثل كسر الحصار وفتح خطوط الإمداد فتحًا جديدًا لمواطني جنوب كردفان، بعد فكّ الحصار في فبراير 2024 عن الجبال الشرقية، عندما أعادت متحركات الشهيد الصيّاد والشهيد المصري والشهيد عثمان عترة فتح وتأمين طريق كوستي – أم روابة – العباسيّة – أبو جبيهة. وبذلك تتحرر الفرقة 14 كادقلي، كما سبقتها الفرقة 10 أبو جبيهة، وهما من أهم الفرق المحورية في معركة الكرامة والتحرير.

كما أن طرد المليشيات الإرهابية من محيط الدلنج قد يُنذر بتكرار سيناريو “جبل مويةة في كردفان، وما صاحبه من انهيار معنوي وعسكري، تُوّج بطرد مليشيات أبوظبي من قلب مركز الدولة. أي الوصول إلى الدلنج عبر الطريق القومي الأبيض – الدبيبات – الدلنج، وتجاوز واحدة من أخطر نقاط الاختناق التي استخدمتها مليشيات الغزو كأداة ضغط استراتيجية على قواتنا ومواطنينا في جنوب كردفان.

وقبل اكتمال تحرير العاصمة الخرطوم، وقبل فك الحصار عن القيادة العامة، روّجت أذرع المؤامرة الإماراتية لدعاية مفادها أن الجيش سيحرر وسط السودان ثم يتوقف ليفاوض على وحدة وسيادة السودان ويُرجع سياسيي المليشيا ليحكموا. وهو رهان أسقطته الخطة الاستراتيجية الواضحة للدولة، القائمة على الاستمرار في تفكيك وتصفية مخطط استتباع السودان وتهديد سيادته وأمنه، في تعبير واضح عن النفس الطويل للقوات المسلحة في مواجهة مليشيات أبوظبي الإرهابية والمرتزقة الأجانب الذين راهنوا على وهم السيطرة السريعة والتفوق التكنولوجي وخطوط الإمداد المفتوحة والحماية السياسية المحلية الدولية التي توفّرها ترليونات سلطة أبوظبي عبر أدواتها القحاطية.

كما زعمت تلك الدعاية أن الجيش عاجز عن تحرير كردفان، وروّجت أبواق أخرى لاتهامات عنصرية، وأضافت الدعاية الإماراتية سرديات مضللة حول امتحانات الشهادة الثانوية، وتغيير العملة، والجوازات، لتبرير مؤامرة نيروبي الرامية إلى تقسيم السودان وانتهاك سيادته وشرعنة العدوان.

وعندما انهارت كل هذه الرهانات أمام صلابة الجيش والتفاف الأمة حول مصيرية استمرار وبقاء كيان الدولة المؤسساتي، لجأت أبوظبي عبر أدواتها إلى فبركة دعاية السلاح الكيميائي، دون تحقيق، أو دليل استخباري، أو واقعة ميدانية واحدة مثبتة، بل لم تتمكّن مليشياتها وسياسييّها بكل ما توفر لهم من امكانيات من مجرد عرض صورة شخص “بالع كينين” دعك من الكيماوي. واستمرت أبوظبي في استخدام الرواية كسلاح بديل للحقيقة، عبر إرسال بيادقها الصموديين في جولات أوروبية لتعطيل مسارات التقارب الدبلوماسي بين السودان والاتحاد الأوروبي.

غير أن هذه المحاولات جرت هذه المرة وهم يتكئون على بندقية جنجويدية مهزومة؛ ففي حين استقبلهم الرئيس ماكرون في باريس في أبريل 2024، باتوا اليوم يُستقبلون من مسؤولين درجة رابعة في الخارجية الفرنسية، والأمر ذاته في ألمانيا، حيث أُبلغوا صراحة بصعوبة تمرير مزاعم “الكيماوي” لغياب أي دليل مادي أو شُبهة دليل يبرر تشكيل لجنة تحقيق دولية. وهكذا تواصلت مساعي أبوظبي لبناء مسار إدانة وتدخل ضد السودان، لكنها بقيت افتراءات لا تجد من يتبعها.

السيادة والبقاء للدولة السودانية

الخلود والقبول لشهداء القوات المسلحة ومُسانديها

Exit mobile version