بقلم: د. محمد بدوي مصطفى
افتتاحية: وصول بلاد الأطلس المجيدة
شددنا الرّحال يا سادتي عابرين ألمانيا ومنها إلى سويسرا ثم إلى المغرب العظيم، أرض الخير والأصالة. كنّا نحن مجموعة، تتضم أسرتي الصغيرة. وكم كنّا في غبطة وسعادة حين التقينا وبلاد أسود الأطلس، بلاد تسجد لها الملائكة. أتينا متنقلين بين الرباط، الدار البيضاء ومراكش والمحمدية. وقفنا على التطور اللافت للنظر للمنشأت الرياضية وغيرها، ولا سيما الطرق ومحطات القطارات التي سهلت للزوار مهمة الترحال بين المدن الملكية التي تقام فيها بطولة أفريقيا لكرة القدم. إن لم أغال فإن السكك الحديدية المغربية في انضباطها وجمالها وسرعتها وخدماتها تضاهي نظيراتها في ألمانيا وغيرها من مدن العالم الأول، على حد تعبير الآخرين.
لم تكن بطولة كأس إفريقيا مجرد بطولة تُختَزل في تسعين دقيقة، ولا مناسبة تُقاس بترتيب المنتخبات أو عدد الكؤوس المرفوعة في خزائن الاتحادات. إنها، في جوهرها العميق يا سادتي، مرآة للقارة الإفريقية بكل ما تحمله من مفارقات: الفرح إلى جوار الألم، الاحتفال إلى جانب الحداد، والاستقرار وهو يجاور الفوضى. وفي المغرب، بلغت هذه المرآة درجة عالية من الصفاء، فعكست صورة إفريقيا كما يجب أن تُرى: قارة تعرف كيف تنظّم، كيف ترحّب، وكيف تمنح المعنى قبل النتيجة. وفي كل لمحة ونفس وجد الزوار الذين أتوا من كل بقاع الأرض كلمة مفتاح وهي: مرحبا بكم في المغرب، داركم!
لقد جاءت بطولة كأس إفريقيا إلى المغرب في لحظة مفصلية، ليس رياضيًا فقط، بل إنسانيًا وسياسيًا أيضًا. عالمٌ مضطرب، إقليمٌ مثقل بالأزمات، وقارة لا تزال تدفع أثمان التاريخ والجغرافيا. ومع ذلك، نجح المغرب في أن يقدّم بطولة تقول الكثير من دون خطابات، وتبعث برسائل أبلغ من أي بيان رسمي.
المغرب… تنظيم يُدار بالعقل ويُحتضن بالقلب
منذ اللحظة الأولى لوصول المنتخبات والجماهير، بدا واضحًا أن المغرب لا يستضيف، بل يحتضن. فالتنظيم لم يكن مجرد التزام بالمعايير الدولية، بل ممارسة يومية لثقافة راسخة في إدارة الأحداث الكبرى. مطارات تعمل بسلاسة، ملاعب جاهزة بأعلى المواصفات، شبكات نقل منظمة، وأمن حاضر بذكاء، دون استعراض أو تضييق. غير أن القيمة الحقيقية لهذا التنظيم تكمن في كونه إنسانيًا قبل أن يكون تقنيًا. كل تفصيلة، مهما بدت صغيرة، كانت تقول للضيف: أنت مرحَّب بك، أنت في أمان، أنت بين أهلك. هنا، لا يُعامل المشجع كرقم، ولا يُنظر إلى الصحفي كعبء، بل يُحتفى بالجميع بوصفهم جزءًا من الحدث. لقد أدرك المغرب أن نجاح البطولة لا يُقاس فقط بانسيابية المباريات، بل بقدرة البلد المضيف على خلق تجربة متكاملة، يشعر فيها الزائر أن البطولة امتدت إلى الشارع، إلى المقهى، إلى السوق، وإلى الذاكرة.
جمال المكان… حين تصبح البطولة رحلة لا تُنسى
وإذا كان التنظيم عقل البطولة، فإن جمال المغرب كان روحها. المدن التي احتضنت كأس إفريقيا لم تكن مجرد مسارح للمباريات، بل لوحات مفتوحة على التاريخ والثقافة والإنسان. من المدن العتيقة التي تفوح منها رائحة الزمن، إلى الحواضر الحديثة التي تعكس طموح المستقبل، وجد الزائر نفسه أمام بلد يعرف كيف يصالح الماضي بالحاضر. زرنا مسجد الحسن الثاني ووقفنا على جماله وجمال الصنعة والأيدي المغربية، ومنها اُحتفِيَ بنا في أكاديمية الحسن الثاني للفنون التقليدية لنقف على مسار صناعة المستقبل وبناء الأمل لشعب لم يعرف أبدًا مصطلح الاستسلام أو الخنوع، بل دأب دائما بقيادته الرشيدة ليكون محور الحركة في قارة أثقلت كاهلها الحروب والتناحر فاتحاً أبواب الرحمة والأمل على مصراعيها ليقول لكل أفريقي وعربي وأمازيغي: هلموا إلى المجد، وكما قال الشاعر السوداني المخضرم إدريس جماع:
أمة للمجد والمجد لها وثبت تنشد مستقبلها
رو نفسي من حديث خالد كلما غنت به أثملها
من هوى السودان من آماله من كفاح ناره أشعلها
من هوى المغرب من آماله من كفاح ناره أشعلها
أيها الحادي انطلق وأصعد بنا وتخير في الذرى أطولها
نحن قوم ليس يرضى همهم أن ينالوا في العلا أسهلها
و قريبا يسفر الأفق لنا عن أمان لم نعش إلا لها
إنه الفجر الذي يصبو له كل ملهوف تمنى نيلها
فيا سادتي إنّ المشجع الإفريقي لم يأتِ فقط ليشاهد مباراة، بل ليعيش تجربة. تجربة تتقاطع فيها الأعلام، وتختلط فيها اللهجات، وتلتقي فيها القارة بنفسها. لقد تحولت كأس إفريقيا في المغرب إلى رحلةٍ ثقافية بامتياز، تُظهر أن الرياضة يمكن أن تكون جسرًا للسياحة، ونافذة للتعارف، ومساحة للاحتفاء بالتنوع.
ترحاب الشعب… البطولة خارج أسوار الملاعب
لكن البطولة، مهما بلغت من حسن التنظيم وجمال المكان، تبقى ناقصة من دون روح الناس. وهنا، كان لأهل المغرب الدور الأجمل والأعمق. ترحاب صادق، ابتسامة دافئة، واستعداد دائم للمساعدة، لا بدافع الواجب، بل انطلاقًا من قناعة ثقافية ترى في الضيف قيمة مضافة. في الشوارع، في المقاهي، في وسائل النقل، كان المشجع الإفريقي يشعر أنه ليس غريبًا. لقد اختفت الحواجز النفسية، وذابت الفوارق، وتحوّلت منافسات كأس إفريقيا إلى عرسٍ شعبيّ عابر للإثنيات والديانات والمعتقدات. هذا التفاعل الإنساني هو ما يصنع الفارق بين بطولة ناجحة، وبطولة تُحفر في الذاكرة.
السودان في قلب المشهد: كرة تُلعب باسم الوطن الجريح
وفي وسط هذا المشهد المضيء، جاءت مشاركة المنتخب السوداني لكرة القدم محمّلة بدلالة تتجاوز المستطيل الأخضر. فالسودان لم يحضر إلى المغرب وهو يعيش ظروفًا طبيعية، بل جاء من وطنٍ يرزح تحت وطأة حرب مدمّرة، وأزمة إنسانية خانقة، وواقع يومي قاسٍ لا يترك مجالًا للفرح. ومع ذلك، حضر السودان. حضر بلا ضجيج، وبلا ادعاء، لكنه حضر مرفوع الرأس. كان مجرد وجود المنتخب السوداني في كأس إفريقيا فعلًا من أفعال الصمود، ورسالة واضحة مفادها أن الحرب، مهما اشتدت، لا تستطيع محو اسم الوطن من الخريطة، ولا إسقاطه من الذاكرة الجماعية. فليحيا السودان وليحيا أبناء هذا البلد المعطاء الذي أعطلى وما فتأ، بلد يرقد على نيليه كالهمزة على سطرها. بلدنا وحب أهله للمغرب دفين ومأصل منذ القرون الطوال. فليحيا الشعبين دولة وشعبا ولتحيا هذه الصداقة الجميلة ما حيينا.
المنتخب السوداني… حين تتحول المباراة إلى شهادة حياة
لم يلعب المنتخب السوداني فقط من أجل النقاط أو التأهل، بل لعب من أجل المعنى. كل مباراة كانت أشبه برسالة مفتوحة إلى شعبٍ منهك، تقول له: نحن هنا، لم نغِب، ولم نستسلم. اللاعبون، وهم يركضون على العشب الأخضر، كانوا يحملون وطنًا كاملًا على أكتافهم: مدنًا مدمّرة، ووجوه نازحين، وأحلام أطفالٍ لم يعرفوا بعد معنى الاستقرار. في تلك اللحظات، لم تعد كرة القدم مجرد لعبة يا سادتي، بل تحولت إلى فعل مقاومة ناعم، وإلى لغة كرامة. ولقد شاهدنا بأمّ أعيننا أنّ السودان قد شارك في هذه البطولة البديعة ليؤكد أن الحضور أحيانًا أهم من الانتصار، وأن رفع العلم في زمن الحرب إنجاز لا يقل قيمة عن رفع الكأس. وكم كنت سعيدًا أغني مع الأبطال النشيد الوطني لأول مرّة حياتي على الهواء، فيا له من إحساس وليها لها من نعمة، شكرت الله عليها كثيرًا، بعد طول غياب في بلاد الغربة، في ديار تموت من البرد حتى حيتانها، كما قالها الأديب الطيب صالح في افتتاحية روايته “موسم الهجرة إلى الشمال”.
تعاطف القارة… حين تتكلم إفريقيا بصوت واحد
ولعلّ ما زاد من عمق هذه المشاركة هو ذلك التعاطف الصادق الذي لقيه السودان من جماهير ومنتخبات القارة. لم يكن تعاطفًا استعراضيًا، بل إحساسًا جمعيًا بأن ما يعيشه السودان شأن إفريقي بامتياز. هنا، أثبتت كأس إفريقيا مرة أخرى أنها ليست بطولة أنانية، بل فضاء للتضامن، ومسرحًا للاعتراف بآلام الآخر. لقد استقبل الفريق السوداني في مطار البيضاء بالطبول والأهازيج القناوية المغربية، رقص اللاعبين لهذا الترحاب واندمجوا من أول وهلة في هذا العالم الصوفي الذي أتاحته المملكة المغربية بقيادتها الرشيدة تحت رعاية جلالة الملك محمد السادس، أيده الله ونصره وأسبغ عليه من النعم والصحة والعافية لنرى المزيد من هذا الكرم وهذه النعم.
المغرب والسودان: لقاء الجمال بالصمود
في المغرب، وجد أبناء وبنات السودان احترامًا حقيقيًا لظروفه، وتقديرًا لمجرد حضوره. لم يُنظر إليه من زاوية الضعف، بل من زاوية الكرامة. وهذا ما يُحسب للمغرب كبلدٍ مضيف، إذ فهم الاستضافة بوصفها موقفًا أخلاقيًا قبل أن تكون حدثًا رياضيًا. وهكذا أتت التعليقات في منصات الإعلام المتباينة، كما أحسناها نحن واقعا ملموسا في دأبنا اليومي بين الميادين والمرافق المتعددة في كل المدن التي زرناها. فبوركتم يا أهلنا! دعونا نقول أن في هذه البطولة قد التقت أو تناغمت صورتان متكاملتان: صورة المغرب المستقر، المنظم، الواثق من قدراته، وصورة السودان الجريح، الصامد، المتمسك بهويته. والتقاؤهما لم يكن تناقضًا، بل تجسيدًا لروح إفريقيا نفسها: قارة تتألم، لكنها لا تنكسر.
كأس إفريقيا… ما بعد النتائج
حين تُسدل الستارة، وتُرفع الكأس، وتُنسى الأرقام، يبقى ما هو أبقى: الدروس. درس في أن التنظيم ثقافة، لا ظرفًا. درس في أن الاستضافة موقف، لا بروتوكولًا. ودرس في أن المشاركة، في بعض الأحيان، هي أسمى أشكال الانتصار.
لقد قال المغرب كلمته بهدوء: نحن قادرون على التنظيم، وعلى الاحتضان، وعلى تقديم إفريقيا في أجمل صورها. وقال السودان كلمته بصمتٍ نبيل: نحن هنا، رغم الحرب، ورغم الألم، ورغم كل شيء.
خلاصة افتتاحية
كأس إفريقيا في المغرب لم تكن بطولة عادية، بل لحظة كاشفة. كاشفة لمعنى الرياضة حين تخرج من حدود اللعب، ولقدرة الشعوب على اللقاء رغم الاختلاف، ولإمكانية الفرح حتى في أكثر الأزمنة قسوة. ستُذكر هذه النسخة من كأس إفريقيا لا لأنها فقط نُظّمت بإتقان، بل لأنها جمعت بين الجمال والمعنى، بين الاستقرار والصمود، وبين الكرة والكرامة. وفي زمنٍ يضيق فيه الأفق، منحتنا إفريقيا، من المغرب، لحظة اتساع… وللسودان، لحظة اعتراف… وللجميع، درسًا لا يُنسى.
