ضياء الدين بلال
في كثير من الأحيان تفرض جغرافيا المكان قدرا من الحذر في تناول شؤونه، خشية الوقوع في مظنة الممالأة أو الاتهام بالانحياز. ولكن في لحظات استثنائية، كالتي تمر بها منطقتنا اليوم، يصبح الصمت تواطؤا، ويغدو قول الحقيقة واجبا لا يحتمل التأجيل، مهما تعقدت الحسابات.
فالمتابع المنصف، بعيدا عن ثنائيات “مع” و”ضد”، لا يجد صعوبة في ملاحظة أن دولة قطر ظلت من بين الدول القليلة التي ارتبط اسمها بالسعي إلى التهدئة لا التأجيج، وإلى جمع الأطراف لا تفريقها.
الدول، كالأفراد، منها التي تبني ومنها التي تهدم، وقطر اختارت بوضوح موقعها في هذا التصنيف؛ فسجلها الدبلوماسي يخلو من الانخراط في إشعال الحروب أو إدارة الصراعات من وراء الستار. وعلى العكس، ظلت قطر تتحرك في الاتجاه الأصعب: إطفاء الحرائق، ومحاولة تقريب المسافات بين خصوم يرفضون حتى الجلوس إلى طاولة واحدة.
من أفغانستان إلى غزة، ومن السودان إلى ليبيا، مرورا بملفات أكثر تعقيدا، نجحت الدوحة في أن تفرض نفسها وسيطا مقبولا. لم يكن ذلك من فراغ، بل نتيجة تراكم خبرة، وبناء ثقة، والتمسك بخيط رفيع بين أطراف متناقضة. الدبلوماسية القطرية لا تعتمد على الضجيج، بل على الصبر؛ تتحرك بهدوء في مساحات ملغومة، وتحافظ على مسافة واحدة من الجميع، دون أن تفقد قدرتها على التأثير. وهذا ما منحها ميزة نادرة: أن تكون محل ثقة من أطراف لا تثق في بعضها.
ولذلك، لم تقتصر أدوارها على الوساطة الشكلية، بل امتدت إلى نتائج ملموسة: وقف إطلاق نار هنا، وتبادل أسرى هناك، وفتح قنوات مغلقة في أماكن أخرى… نعم، هي خطوات صغيرة في ظاهرها، لكنها في ميزان الصراعات تعني الكثير. ولا يختلف اثنان على أن قطر قدمت نموذجا لدولة قوية بلا استعراض، وكريمة بلا منّ، ووفية لعلاقاتها في أوقات الشدة قبل الرخاء. وقد خبرت دول كثيرة هذا الدور، ومنها نحن في السودان، حيث ظلت الدوحة حاضرة حين يغيب الآخرون.
لكن المفارقة المؤلمة أن الدولة التي انشغلت بإطفاء الحرائق، تجد نفسها اليوم في مرمى النيران؛ فمنشآتها تتعرض للقصف رغم أنها لم تكن طرفا في الصراع، ولم تبادر أحدا بعداء، وهو تطور يطرح أسئلة صعبة حول منطق هذا التصعيد وحدوده.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال حقيقة أن إيران تتعرض لضغوط وعدوان مركّب تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل، تحركه اعتبارات الهيمنة والصراع على النفوذ والثروات.
وهذا الواقع، مهما بلغت قسوته، لا يمكن أن يشكل مبررا منطقيا أو أخلاقيا لتوسيع دائرة الصراع لتشمل دول الجوار، وفي مقدمتها قطر.
بل إن الانزلاق إلى هذا المسار يحقق، في جوهره، أهداف خصوم إيران الإستراتيجيين، عبر دفعها إلى صراعات مفتوحة تستنزفها وتستنزف محيطها، وتعيد تشكيل المنطقة على إيقاع الفوضى والتوتر المستدام لمصلحة الكيان الإسرائيلي. لقد أسهم هذا المسار في تعميق الشروخ في العلاقة بين طهران وجوارها الخليجي، وكأنه إسفين غليظ يدق في جسد الإقليم، بشكل يهدد استقراره ومستقبله.
ومع ذلك، أظهرت دول المنطقة، وعلى رأسها قطر، قدرا لافتا من الحكمة وضبط النفس، ووعيا إستراتيجيا حال دون الانجرار إلى دوامات التصعيد، رغم الاستفزازات المتكررة والخسائر الجسيمة.
فهذه الدول لم تسمح لـ”شجرة” الأزمات الآنية الشائكة أن تحجب عنها “غابة” المخاطر الإستراتيجية الأوسع، ولم تنجر إلى ردود أفعال آنية قد تبدو مبررة في لحظتها، لكنها تحمل في طياتها كلفة باهظة على المدى البعيد.
بل اختارت تلك الدول، عن وعي، أن تنظر إلى ما وراء اللحظة، وأن توازن بين مقتضيات الحاضر واستحقاقات المستقبل، إدراكا منها أن الاستقرار لا يبنى بردود الأفعال، بل بصناعة التوازنات وتحصين الإقليم من الانهيارات المتتالية.
المنطقة اليوم أحوج ما تكون إلى هذا النوع من التفكير الإستراتيجي الذي يرى الغابة قبل الشجرة، ويقدم منطق التهدئة على اندفاعات التصعيد، ويعيد الاعتبار لقيمة الوساطة بوصفها أداة لصناعة السلام لا مجرد خيار تكتيكي.
ويظل دور قطر، بالرغم مما لحق بها من أذى وأضرار، وبما يحمله من رصيد في مبادرات الوساطة وإطفاء النزاعات، من أهم ركائز الأمل في إعادة التوازن إلى الإقليم، وصناعة مستقبل أكثر استقرارا في منطقة أنهكتها الصراعات، وتنازعتها المشاريع المتضاربة، وأحاطت بها براثن الأطماع.