قطار (الشوق) يعود إلى الوطن.. رحلة العودة الطوعية تحيي ذاكرة السودانيين مع السكة حديد»

الأحداث – ماجدة حسن
تحرك قطار جديد من محطة رمسيس بالقاهرة، حاملاً على متنه 1200 مواطن سوداني ضمن برنامج العودة الطوعية، الذي تنفذه لجنة الأمل للعودة الطوعية بالتعاون مع الأمانة العامة لديوان الزكاة. ولسان حال الركاب يردد كلمات الأغنية الخالدة:
“قطار الشوق متين ترحل
تودينا لي بلدًا حنان أهلها
ترسي هناك ترسينا.”
يحمل السودانيون عاطفة خاصة تجاه القطار، فقد وثقوا له في أغنياتهم وفنونهم المختلفة، وجعلوا منه رمزاً للشوق والرحيل واللقاء. ولعل من أشهر ما قيل في لحظات الفراق:
“القطر الشالك إنت
يتكسر حتة حتة
وتسلم لي إنت.”
وهذا القطار، بقدر ما يبعث الفرح في نفوس الأهل المنتظرين في السودان، فقد استقبلته دموع المودعين في المحطة؛ فهو يفرق هنا ليجمع هناك، ويغادر بأجساد المسافرين بينما تبقى القلوب معلقة بلحظات الوداع.
وعلى الرغم من أن الأجيال الحديثة لم تحظَ بمعرفة ثقافة السفر بالقطارات كما عرفتها الأجيال السابقة، وأصبحت سكك حديد السودان بالنسبة لكثير منهم جزءاً من ذاكرة الماضي، فإن الأغنية السودانية ظلت تحفظ تلك التجربة وتعيد إحياءها في الوجدان، فتشحن لحظات السفر والحنين بمعانٍ لا تنسى.
ويُعد القطار من أبرز الرموز التي حضرت في الأغنية السودانية، إذ ارتبط بحياة الناس اليومية ومشاعر السفر والحنين والفراق. وقد لعبت السكك الحديدية دوراً محورياً في ربط مدن السودان وقراه، لذلك أصبح القطار جزءاً أصيلاً من الوجدان الشعبي، وانعكس حضوره بوضوح في الأغنيات التي تناولت موضوعات الحب والشوق والانتظار.
ظهر القطار في الأغنية السودانية بوصفه وسيلة تجمع الأحبة أحياناً وتفرقهم أحياناً أخرى؛ فعندما يحمل المسافر إلى محبوبه يصبح رمزاً للفرح والأمل، وعندما يبتعد بالمحبوب يتحول إلى رمز للحزن واللوعة. ولهذا تتكرر صورته في العديد من الأغنيات التي تعبر عن الاشتياق والرحيل.
ومن أشهر الأغنيات التي تناولت القطار أغنية «القطر القطر نوينا السفر» بصوت الفنان ، حيث يصور القطار بداية رحلة تحمل الأماني والتطلعات. كما برزت أغنية «قطار الشوق» التي جعلت من القطار رمزاً للمحبة والحنين، إلى جانب أعمال أخرى تناولته من زوايا مختلفة، بين فرحة اللقاء ومرارة الفراق.
ولم يكن حضور القطار في الأغنية السودانية حضوراً مادياً فحسب، بل اتخذ أبعاداً رمزية أعمق؛ فهو يمثل حركة الزمن، وانتقال الإنسان بين مراحل حياته، كما يعبر عن الأمل في الوصول إلى مستقبل أفضل. لذلك ظل رمزاً فنياً غنياً استطاع الشعراء والفنانون توظيفه للتعبير عن المشاعر الإنسانية المختلفة.
ويمكن القول إن القطار يشكل أحد أهم الرموز في التراث الغنائي السوداني، لأنه يجسد تجربة سودانية أصيلة ارتبطت بالسفر والتواصل بين الناس، وتحول عبر الأغنيات إلى رمز للشوق والذكريات والحب والفراق، مما منحه مكانة خاصة في الوجدان الجمعي.
وها هو اليوم، من خلال برنامج العودة الطوعية، يعود ليؤدي دوراً جديداً؛ رحلة مريحة تعيد الذكريات لكبار السن الذين عاشوا زمن السكك الحديدية، وتعرف الأجيال الشابة بوسيلة نقل طالما غابت عن حياتهم، بفعل سنوات التراجع والإهمال، لكنها ما زالت حاضرة بقوة في الذاكرة السودانية.

Exit mobile version