قراءة موازية لمقال معتصم الأقرع: بين خوف الدولة وفتنة “الشرعية المفتوحة”

ناهد محمد الحسن
اولا اشكرا الاستاذ معتصم الاقرع على هذا الجهد الفكري، و استأذنه، واستسمحه في نشر تعقيبي على مقاله في صفحتي ، حيث لم استطع لصقه في نفس البوست لطول المقال..
قرأتُ مقال الأستاذ معتصم الأقرع بعينين في آنٍ واحد: عينٍ ترى القلق الوجودي الذي يتكلم منه، وعينٍ تتفحص الأدوات التي يستعملها وهو يحاول حماية الدولة من التفكك. لا يصعب فهم منطلق المقال في بلدٍ تحوّلت فيه الحرب إلى آلة طحن، وصار السؤال الأول عند كثيرين هو: ماذا يبقى إن انهارت آخر مؤسسة قادرة على فرض حدٍّ أدنى من النظام؟ في هذا المناخ، تبدو سردية “الدولة المهدَّدة” سردية طبيعية؛ فالناس لا تُفكّر وهي تنزف بالطريقة نفسها التي تفكّر بها وهي آمنة.
لكن المشكلة – في تقديري – لا تبدأ من السؤال، بل من طريقة الإجابة. لأن الخوف، حين يصبح مرجعية سياسية، لا يظل خوفًا فقط… يتحول إلى “أداة حكم”.
يقدّم مقال الأقرع الجيش بوصفه العمود الأخير للدولة، والحاجز الأخير أمام التفتيت، ويُحذّر من “نزع الشرعية” عنه كجزء من مشروع جيوسياسي لتفكيك الدول. هذه النقطة تحمل حقيقةً لا يجوز إنكارها: هناك تاريخ طويل من مشاريع “إضعاف الدول” عبر شقوقها الداخلية، وهناك توظيف خارجي حقيقي للصراعات الأهلية. كما أن انهيار مؤسسة الدولة في أي بلدٍ يفتح الباب أمام الميليشيات والاقتصادات الوحشية، ويضع المواطن العادي تحت رحمة السلاح غير المنضبط.
لكن هنا تظهر المفارقة التي تحتاج أن تُقال بوضوح دون تخوين أحد: ليس كل نقدٍ لتسييس الجيش هو “حملة تفتيت”، وليس كل دفاعٍ عن الجيش هو “تواطؤ مع الاستبداد”. الدولة الحديثة لا تُحمى بتقديس مؤسسة، ولا تُبنى بجلدها. الدولة تُحمى حين تُميّز بين “المؤسسة” و“دورها السياسي”، وحين تجعل الوظيفة العسكرية واضحة الحدود: حماية الوطن لا حكمه.
في المقال انزلاقٌ واضح – ربما بلا قصد – من تحليل جيوسياسي إلى استقطاب أخلاقي. يبدأ الكلام عن تفكيك الدول والحروب الهجينة، ثم يتبدّل المعجم فجأة: ناقدو الجيش يُصبحون “عملاء أو أغبياء”، وتُستدعى صورة “العميل الذي لا يدري أنه عميل” لتفسير اختلاف سياسي أو احتجاج مدني. هذا النوع من التفسير قد يكون مريحًا نفسيًا لأنه يبسّط العالم: خيرٌ وشر. لكنه سياسيًا يضر الدولة التي يريد حمايتها، لأنه يغلق الباب أمام المساءلة العقلانية، ويضع كل نقدٍ في خانة الخيانة، ثم يتساءل لماذا تزداد العزلة والانقسام.
الأخطر في هذا المنطق أنه يخلط بين نقد تسييس الجيش وبين تفكيك الدولة نفسها. كأن القول: “نريد جيشًا مهنيًا غير مسيّس” يُعاد ترجمته إلى: “نريد إسقاط آخر سقف للدولة”. بينما تاريخ الدول التي نجحت في بناء ديمقراطية مستقرة يقول شيئًا مختلفًا: المساءلة ليست هدمًا، ونقد تسييس الجيش ليس عداء للجيش، بل شرط لإنقاذه من التحول إلى لاعبٍ سياسي دائم. عندما يصبح الجيش جزءًا من المعادلة السياسية اليومية، تتآكل مهنيته من الداخل، ويتحول الوطن إلى ساحة “مكاسب وخسائر”، لا إلى مساحة خدمة عامة. هنا تُضعف السياسة الجيش، ويُضعف الجيش السياسة، وتدخل الدولة في حلقة لا تنتهي.
يستدعي المقال “الديالكتيك” ليقول إن الجيش يحمل نقيضين: القمع والحماية. وهذه حقيقةٌ تُرى في التاريخ وفي السودان أيضًا. لكن الديالكتيك ليس متحفًا لوصف التناقض، بل أداة لسؤال: كيف يُحل؟ وبأي شروط؟ ما الذي يمنع “الحماية” من أن تتحول إلى ابتزاز سياسي دائم؟ ما الآليات التي تمنع تحويل الخوف الشعبي إلى تفويض مفتوح؟ متى تصبح “الحماية” مبررًا لإقصاء السياسة، ومتى تصبح السياسة قادرة على إعادة الجيش إلى وظيفته الطبيعية دون إذلاله ودون تقديسه؟
ثم هناك فجوة نفسية/اجتماعية في المقال لا تقل أهمية: الحديث المتكرر عن “المواطن” الذي يهرب إلى مناطق سيطرة الجيش صحيحٌ جزئيًا بوصفه وصفًا للبحث عن الأمان، لكنه غير كافٍ تفسيرًا للشرعية السياسية. فالناس في الحرب لا تتحرك دائمًا وفق قناعة، بل وفق النجاة. الهروب من مناطق الميليشيات لا يعني تفويضًا مطلقًا للمؤسسة التي تمنحك أمانًا نسبيًا، تمامًا كما أن رفضك للفوضى لا يعني قبولك بوصاية دائمة. علم النفس السياسي يقول لنا شيئًا بسيطًا: الناس لا تختار العسكر حبًا في العسكر؛ كثيرًا ما تختارهم هربًا من فشل المدنيين… وهذا الفشل لا ينبغي أن يتحول إلى شيك على بياض.
ولأنني لا أكتب من موقع خصومة، أقول إن في مقال الأقرع نقطة التقاء مهمة يمكن البناء عليها: رفض الفوضى والميليشيات، والاعتراف بخطورة الفراغ، والتنبيه إلى أن هدم المؤسسات كليًا يفتح أبواب الجحيم على المواطن. هذه نقاط صحيحة. لكن الفرق بيننا – كما أراه – هو أنني أخاف من شيء آخر بالقدر نفسه: أخاف من تحويل هذه المخاوف إلى “منطق شرعية” يجعل السياسة ملحقًا بالسلاح، ويجعل مساءلة الجيش جريمة، ويجعل الدولة رهينة مزاج القوة لا عقد المواطنة.
الخلاصة التي أريدها – دون وصاية أخلاقية ودون عصا من المنتصف – هي أن حماية الدولة لا تمر عبر إسكات النقاش حول تسييس الجيش، كما لا تمر عبر شيطنة المؤسسة. حماية الدولة تمر عبر طريق أصعب: بناء سياسة مدنية قادرة، تملك أدوات التنظيم لا مجرد الهتاف، وتستطيع أن تفاوض وتضغط وتُنتج عقدًا جديدًا يضمن جيشًا مهنيًا قويًا داخل الدولة لا فوقها، ويضع السلاح في خدمة القانون لا القانون في خدمة السلاح.
أخطر ما يمكن أن يحدث للدولة ليس نقد جيشها، بل أن تُسلّم سياستها للخوف، وتطلب من السلاح أن يحلّ ما عجزت عن حله بالكلمة والتنظيم.
وحين يحدث ذلك… يصبح كل ما نخافه من التفتيت أقرب، لا أبعد.



