حين تغيب السياسة…
كيسنجر، وهم القيم، ومنطق النفوذ في عالم بلا يقين- ١
عبدالعزيز يعقوب- فلادليفيا
٥ يناير ٢٠٢٦
ayagoub@gmail.com
لم يكن هنري كيسنجر حين كتب كتابه «هل تحتاج أمريكا إلى سياسة خارجية؟» يسأل سؤالًا نظريًا، ولا كان يعيد تعريف البديهيات. كان، في جوهره، يحاول إعادة السياسة إلى مكانها بعد أن اختُطفت لصالح الخطاب. رأى أن الولايات المتحدة، وقد خرجت من الحرب الباردة منتصرة، وقعت في فخّ خطير وهو الاعتقاد بأن القوة وحدها تكفي، وأن التاريخ انتهى، وأن القيم الأمريكية صالحة للتطبيق الكوني بلا تفاوض ولا تدرّج ولا اعتراض.
رؤية كيسنجر تبدأ من مسلّمة بسيطة ان العالم لا تحكمه نوايا حسنة، بل توازنات قوى. والدولة التي تتجاهل هذه الحقيقة لا تصبح اكثر أخلاقاً من غيرها، بل تكون أقل حكمة. فالقيم، في نظره، لا تُلغى، لكنها لا تصلح لأن تكون بديلًا عن السياسة. السياسة هي التي تُحدّد متى وكيف تُدافع عن القيم، وبأي كلفة، ومع من وضد من. وحين تُفصل القيم عن الحساب السياسي، تتحول إلى أداة تبرير بدل أن تكون إطارًا أخلاقيًا.
كان كيسنجر يرى أن أمريكا أخطأت حين حاولت أن تكون قاضيًا عالميًا بدل أن تكون مُدير توازن. فالقاضي يُصدر الأحكام، أما مدير التوازن فيمنع الانفجار. في عالم متعدد الحضارات والتواريخ والمصالح، لا يمكن فرض نموذج واحد دون أن يولّد ذلك مقاومة، ولا يمكن تجاهل الخصوم بحجة أنهم «غير أخلاقيين!»، لأن تجاهلهم لا يُلغي وجودهم بل يُطلق صراعاتهم.
من هنا شدّد كيسنجر على فكرة محورية السياسة الخارجية ليست إعلانًا للمواقف، بل بناء لمسارات. ليست في من نُدين، بل في من نُفاوض. ليست في الشعارات الكبرى، بل في التفاصيل الصغيرة التي تمنع الحرب قبل أن تقع. وكان يحذّر من الخلط بين الردع والتدخل، وبين النفوذ والهيمنة، لأن الهيمنة تُستنزف، أما النفوذ فيُدار.
في كتابه، دعا كيسنجر إلى سياسة خارجية تقوم على الاعتراف بالحدود، حدود القوة، وحدود القدرة على التغيير، وحدود المسؤولية. الدولة التي تعتقد أنها قادرة على إعادة تشكيل العالم وفق صورتها، تُفرط في استخدام قوتها، ثم تُفاجأ حين تكتشف أن العالم لم يتغيّر، لكنها تغيّرت هي، وفقدت قدرتها على التأثير.
كيسنجر لم يكن يدعو إلى الانسحاب ولا إلى العدوان، بل إلى التمييز بين ما هو حيوي وما هو ثانوي. كان يرى أن كثرة التدخلات تُضعف القدرة على الحسم، وأن تحويل كل أزمة إلى معركة أخلاقية يُفقد السياسة مرونتها. فليست كل المظالم قابلة للحل بالقوة، وليست كل الصراعات مناسبة للتدخل، وليست كل الحروب قابلة للانتصار السياسي حتى لو كُسبت عسكريًا.
وهنا تكمن الفكرة التي تهم القارئ العربي تحديدًا الخداع الاستراتيجي لا يأتي فقط من القوى الكبرى، بل من الخطاب الذي يُقدَّم لنا عن نواياها. حين تُقدَّم الحروب بوصفها دفاعًا عن القيم، يجب أن نسأل عن المصالح. وحين يُقدَّم التدخل بوصفه إنقاذًا، يجب أن نسأل عن الكلفة والبديل. وحين يُقدَّم الانسحاب بوصفه سلامًا، يجب أن نسأل عمّن يملأ الفراغ.
كيسنجر كان صريحًا في قوله إن النظام الدولي لا يقوم على العدالة وحدها، بل على القبول المتبادل بقواعد اللعبة. ومن لا يشارك في صياغة هذه القواعد لا يشارك في اللعبة،بل يُطبَّق عليه ما لا يختاره. لذلك، فإن فهم السياسة الخارجية الأمريكية — أو أي سياسة كبرى — لا يكون بتصديق خطابها، بل بفهم موقعها في ميزان القوى، وحدود حركتها، وتناقضاتها الداخلية.
في هذا المعنى، يصبح كتاب كيسنجر ليس دفاعًا عن أمريكا، بل دليل قراءة للعالم. يعلّم القارئ كيف يميّز بين اللغة والواقع، بين ما يُقال وما يُفعل، وبين ما يُراد له أن يُفهم وما يجب أن يُفهم فعليًا. وهو، في جوهره، دعوة إلى التحرر من السذاجة السياسية، لا إلى تبنّي الواقعية القاسية دون وعي.
فالسياسة، كما أراد كيسنجر أن يعيد تعريفها، ليست تخلّيًا عن المبادئ، بل حماية لها من التلاشي. ومن لا يفهم منطق النفوذ، لا يستطيع أن يدافع عن قضيته، مهما كانت عادلة، لأن العدالة بلا سياسة تبقى صرخة، بينما السياسة بلا عدالة تتحول إلى قمع. والتاريخ لا ينحاز لمن يصرخ أكثر، بل لمن يفهم لحظة القوة وحدودها.
ولهذا كلّه، فإن قراءة كيسنجر ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وعي. لأن ما وصفه بوصفه خللًا في إدارة القوة العالمية، نحن في العالم العربي نعيشه بوصفه ثمنًا يوميًا. نحن لسنا خارج هذه المعادلة، ولا على هامشها، بل في قلب ساحاتها المفتوحة. أراضينا هي مسارح الاختبار، وقضايانا هي أوراق الضغط، وانقساماتنا هي الفجوات التي يتسلل منها النفوذ.
وحين لا نفهم منطق السياسة كما هي، لا كما نحب أن تكون، نتحول من فاعلين إلى موضوعات، ومن أصحاب قضايا إلى أدوات في صراعات أكبر منّا. وحين نصدق الخطاب بدل أن نقرأ المصلحة، نقاتل أحيانًا بالنيابة عن غيرنا، ونخاصم بعضنا باسم شعارات لا نملك قرارها ولا نهايتها.
كيسنجر لم يكتب ليُعلّم أمريكا كيف تهيمن، بل ليحذّر من أن الهيمنة العمياء تُفقد صاحبها السيطرة. أما نحن، فإن الخطر لا يكمن فقط في هيمنة الآخرين، بل في عجزنا عن بناء سياسة نفوذ ذاتية، وفي استمرارنا في إدارة صراعاتنا بمنطق ردّ الفعل لا بمنطق الرؤية، وبالعاطفة لا بالحساب، وبالاصطفاف لا بالمصلحة.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي الذي يمهّد لما بعد هذا النص: كيف تتجلّى هذه السياسة الغائبة في صراعاتنا العربية؟ كيف تحوّلت فلسطين من قضية جامعة إلى ساحة استثمار دولي؟ كيف انهارت دول من الداخل لأن السياسة غابت قبل أن تغيب الدولة؟ وكيف انتقلت الخلافات الخليجية من تباين طبيعي في المصالح إلى صراعات نفوذ تُضعف الجميع وتُغري الآخرين؟
ذلك ما لا يجيب عنه كيسنجر، لأنه ليس شأنه. لكنه ما نُجبر نحن على مواجهته، لأن ثمن غياب السياسة لا يُدفع في الكتب والأوراق، بل في الأوطان. وهنا، يبدأ الحديث عن واقعنا العربي لا بوصفه ضحية فقط، بل بوصفه مسؤولًا أيضًا.
نواصل
