قبل أن تعود الحرب إلى الشوارع… تعود عبر الحقائب

لؤي اسماعيل مجذوب

ليست المشكلة في من يعود إلى العاصمة… فالعاصمة وطن للجميع.
المشكلة في كيف يعود، وبأي أموال، وتحت أي غطاء، وفي ظل أي يقظة أمنية.
الحروب لا تنتهي عندما تصمت البنادق، بل عندما تُغلق الطرق التي تعيد إنتاجها. وما يحدث الآن أخطر من صوت المدافع؛ لأن العدو لا يتحرك في ارتال مكشوفة، بل داخل بصات السفر، ووسط حركة النزوح العكسي، وفي حقائب تبدو عادية لكنها تحمل اقتصاد حرب كامل يحاول إعادة زرع نفسه داخل جسد الدولة.
الوقائع المتناثرة ليست أحداثاً منفصلة.
ذهب منهوب يظهر في مدينة بعيدة عن مسرح العمليات.
متهمون يعترفون بمسارات تهريب منظمة.
بلاغات تتحول فجأة إلى أوراق بلا أثر.
معابر تعبرها كميات ضخمة دون تفسير منطقي.
وأسر تعود بصمت بعد أن كانت جزءاً من بيئة الحرب، لكنها هذه المرة تعود برأس مال لا يشبه رأس مال النازحين.
هذه ليست عودة طبيعية… هذه محاولة إعادة تموضع.
الخطر الحقيقي ليس في الأشخاص بقدر ما هو في شبكة المال المنهوب. المال المسروق من الخرطوم لم يكن مجرد غنيمة؛ كان وقوداً لمشروع سياسي وأمني. وعندما يعود هذا المال إلى العاصمة دون مساءلة، فهو لا يبحث عن تجارة فقط، بل عن نفوذ، وعن شراء صمت، وعن اختراق بطيء يعيد تشكيل المجتمع اقتصادياً واجتماعياً لصالح من خسروا الميدان.
الدولة تُهزم أحياناً ليس بالرصاص، بل بالرشوة عند نقطة تفتيش.
والجبهة قد تصمد في الخطوط الأمامية، لكنها تسقط عندما يتحول الارتكاز إلى معبر مأجور، أو عندما يصبح القانون قابلاً للتفاوض.
الفساد في نقاط التفتيش ليس مخالفة إدارية… بل ثغرة سيادية.
كل مركبة تمر مقابل مال هي رسالة بأن الدولة يمكن تجاوزها.
وكل ذهب يُطلق سراحه دون إثبات ملكية هو إعلان غير مكتوب بأن اقتصاد النهب بدأ يجد طريق العودة.
الأخطر أن هذه التحركات تحمل بعداً نفسياً عميقاً.
فحين يرى المواطن أن من نهب وقتل عاد ليعيش بأموال ضخمة دون مساءلة، تنهار الثقة في العدالة قبل أن تنهار المنظومة الأمنية نفسها. وعندها يتحول الإحباط الشعبي إلى بيئة مثالية للفوضى، وهي المرحلة التي تبدأ فيها الحروب من جديد ولكن بأسماء مختلفة.
الأجهزة الأمنية اليوم لا تواجه مجرد تسلل أفراد، بل محاولة إعادة بناء شبكة خفية داخل العاصمة:
شبكة مال، علاقات، سكن بديل، وتحركات محسوبة لإخفاء الأثر القديم وخلق واقع جديد يبدو طبيعياً بمرور الوقت.
الحذر هنا ليس عنصرية ولا استهدافاً اجتماعياً، بل واجب دولة خرجت للتو من محاولة اقتلاعها. القانون لا يعادي أحداً، لكنه يجب أن يكون أعمى أمام الأسماء والرتب والوساطات.
المطلوب ليس حملات اعتقال عشوائية، بل عقل أمني استباقي:
مراجعة الارتكازات لا شكلياً بل استخبارياً.
تتبع حركة الذهب والعملات قبل الأشخاص.
مراجعة الأسر الجديدة عبر الإجراءات القانونية الطبيعية لا عبر الشبهات.
وإغلاق الباب تماماً أمام أي تدخلات تعطل العدالة أو تفرغ البلاغات من مضمونها.
الحرب القادمة — إن تُركت هذه الثغرات — لن تبدأ بإطلاق نار، بل بسوقٍ يتحكم فيه مال منهوب، وأحياء تتغير هويتها بصمت، وشبكات تنتظر اللحظة المناسبة.
الدولة التي انتصرت عسكرياً لا يجوز أن تُهزم إدارياً.
ولا يجوز أن يهنأ من موّل الخراب بعائدات الخراب نفسها.
المعركة الآن ليست في الخنادق… بل في اليقظة.
وإن لم تُشدَّد الحراسة على الداخل، فإن ما طُرد بالسلاح قد يعود بالمال.

Exit mobile version