في ورشة بالخرطوم.. الاتحادات الثقافية في السودان.. رهان على السلام وأسئلة حول استعادة الدور
Mazin
الاحداث:ماجدة حسن بين الحاجة إلى إعادة بناء المؤسسات الثقافية التي أثّرت الحرب في نشاطها، وضرورة تفعيل الاتحادات والجماعات المهنية لتستعيد دورها في المجتمع، انعقدت بالخرطوم، أمس ، ورشة تفعيل الاتحادات والجماعات الثقافية، بمشاركة مسؤولين وخبراء وممثلين للكيانات الإبداعية. وطرحت الورشة أسئلة تتجاوز إعادة تنظيم العمل الثقافي إلى طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه الثقافة في نشر السلام، ومعالجة آثار الحرب، وحماية التنوع، وإعادة وصل المجتمع بمؤسساته وذاكرته الإبداعية. وأكد وزير الثقافة والإعلام والآثار والسياحة، خالد الإعيسر، خلال مخاطبته الورشة، أن القطاع الثقافي يمثل ركيزة أساسية لمعالجة آثار الحرب وتعزيز الاندماج المجتمعي وترسيخ التعايش السلمي، مشدداً على التزام الوزارة بتفعيل الاتحادات والجماعات الثقافية وتعزيز الشراكة معها، إلى جانب دعم جهود تهيئة مقر المجلس القومي لرعاية الثقافة والفنون. وربط الإعيسر نجاح هذه التوجهات بقدرة المؤسسات والكيانات الثقافية على الانتقال من النقاش إلى العمل، داعياً المشاركين إلى تقديم توصيات عملية تحدد الاحتياجات والأولويات، ومؤكداً استعداد الوزارة للتعاون في تحويل مخرجات الورشة إلى برامج ومشروعات قابلة للتنفيذ. وأشار إلى أن الوزارة عملت على تقييم أوضاع القطاعات التابعة لها وتحديد احتياجاتها الأساسية، تمهيداً لإعادة تأهيل المؤسسات واستعادة نشاطها، لافتاً إلى استمرار أعمال الصيانة والتأهيل في عدد من المؤسسات الإعلامية والثقافية. لكن الرهان على استعادة النشاط الثقافي لا يتوقف عند تأهيل المباني أو إعادة تشغيل المؤسسات، إذ يرتبط أيضاً بوجود كيانات مهنية فاعلة، وأطر قانونية واضحة، وسياسات تستوعب احتياجات العاملين في مختلف مجالات الإبداع. ومن هنا اكتسبت الأوراق العلمية التي شهدتها الورشة أهمية خاصة، لارتباطها بالتشريعات المنظمة للعمل الثقافي، والسياسات العامة، والرؤية الاستراتيجية للنهوض بالقطاع. وقدمت مولانا ناهد سيد أحمد الخليفة ورقة حول القراءة التحليلية لقانون تنظيم الجماعات الثقافية، فيما تناول الدكتور جراهام عبدالقادر السياسات الثقافية، وقدمت الأستاذة الدكتورة هادية المجذوب ورقة بشأن استراتيجية نهضة قطاع الثقافة السوداني. كما قدم الدكتور عاصم العوض محمد قراءة ثانية وتوصيات حول الموضوعات المطروحة، وشارك الدكتور عبدالله صالح بورقة علمية، إلى جانب مداخلات ومساهمات عدد من خبراء الثقافة والفنون، من بينهم الأستاذ بشير سهل. وتعكس هذه المحاور تعدد مستويات الأزمة التي يواجهها القطاع الثقافي؛ فمن جهة، تبرز الحاجة إلى مراجعة الأطر المنظمة لعمل الجماعات الثقافية وتطوير السياسات التي تحكم علاقتها بالمؤسسات الرسمية، ومن جهة أخرى، تبرز ضرورة صياغة استراتيجية تستجيب للتحولات التي فرضتها الحرب، وتعيد ترتيب الأولويات بما يضمن استدامة النشاط الثقافي واتساع أثره الاجتماعي. ونُظمت الورشة بواسطة وزارة الثقافة والإعلام والآثار والسياحة، بالتعاون مع المجلس القومي لرعاية الثقافة والفنون والمسجل العام للجماعات الثقافية، وبالتنسيق مع الاتحادات والهيئات والمراكز والجمعيات الثقافية، بحضور وكيل الوزارة الدكتور جراهام عبدالقادر ومجموعة من المختصين والمهتمين بالقطاع. ولم تغب الممارسة الإبداعية عن برنامج الورشة، إذ قدم الأستاذ عبدالباقي حسين معرضاً للكتاب ضم مجموعة من العناوين، إلى جانب مشاركات لمبدعين في مجال التراث السوداني، في تأكيد على اتساع مفهوم العمل الثقافي ليشمل المعرفة والفنون وصون الموروث، لا الاقتصار على الأطر الإدارية والتنظيمية. وفي سياق متصل، شدد الإعيسر على أهمية بناء شراكات منتجة بين الوزارة والاتحادات والكيانات الثقافية، معتبراً أن معالجة التحديات الوطنية تحتاج إلى حلول تنطلق من المجتمع وتعزز الحوار، بمشاركة المثقفين والمؤسسات المعنية. كما جدد استعداد الوزارة لدعم هذه الكيانات والمضي نحو واقع ثقافي يسهم في تعزيز الوحدة الوطنية ودعم التعافي. غير أن التحدي الأبرز أمام مخرجات الورشة يتمثل في ترجمة التوصيات إلى التزامات محددة، عبر ترتيب الأولويات، وتحديد المسؤوليات، ووضع آليات للمتابعة والتقييم، إلى جانب توفير الظروف التي تمكّن الاتحادات من استعادة نشاطها والقيام بأدوارها المهنية والمجتمعية. ففي بلد أنهكت الحرب مؤسساته ووسعت الشروخ الاجتماعية، لا تبدو الثقافة نشاطاً مكملاً لجهود التعافي، بل أحد المجالات التي يمكن أن تسهم في استعادة الحوار وبناء الثقة وحماية الذاكرة المشتركة. ومن هذا المنطلق، ستتحدد قيمة ورشة تفعيل الاتحادات والجماعات الثقافية بمدى قدرتها على الانتقال من تشخيص الأزمة إلى بناء عمل ثقافي منظم ومستدام، يجعل السلام والتماسك المجتمعي جزءاً من الممارسة الثقافية اليومية، لا مجرد أهداف معلنة.