في ليلة تكريمه.. مكي سنادة.. رجلٌ بنى المسرح ومشى في ذاكرة الدراما السودانية
Mazin
الأحداث : ماجدة حسن ليس من السهل اختزال تجربة مكي سنادة في صفة واحدة؛ فهو الممثل الذي منح الشخصيات ملامحها، والمخرج الذي اشتغل على صناعة العرض، ومصمم الديكور الذي جعل الخشبة فضاءً نابضاً، والإداري الذي حمل همّ المؤسسة الثقافية، والباحث الذي ظل ينظر إلى الفن بوصفه معرفة ومسؤولية قبل أن يكون مجرد ممارسة إبداعية. ومن الرياض، تستعيد الجالية السودانية واحدة من التجارب التي صنعت جانباً مهماً من تاريخ المسرح والدراما في السودان، عبر احتفاء خاص بمكي سنادة، الفنان الذي امتدت تجربته لعقود، وظل اسمه حاضراً في المسرح والإذاعة والتلفزيون والعمل الثقافي والإداري. وُلد مكي محمد السيد محمد سنادة عام 1943 بمدينة الأبيض في شمال كردفان، وتلقى تعليمه الأولي والمتوسط فيها، قبل أن ينتقل إلى الفاشر لإكمال المرحلة الثانوية. بدأ حياته المهنية معلماً، بعد حصوله على دبلوم معهد المعلمين العالي بأم درمان عام 1966، ثم اتجه إلى القاهرة، حيث حصل عام 1975 على بكالوريوس المعهد العالي للفنون المسرحية، متخصصاً في الديكور والإخراج المسرحي. لكن علاقة سنادة بالفن بدأت قبل ذلك بسنوات؛ ففي منتصف الستينيات انخرط في النشاط المسرحي والإذاعي والتلفزيوني، وشارك عام 1965 في تجربة مسرحية هاوية ضمت الإذاعي إسماعيل طه وأحمد عبد الكريم، وقدمت أعمالاً بينها «صلاح الدين الأيوبي» و«ترهاقا». ومن تلك البدايات أخذت تجربته تتسع من الوقوف على الخشبة إلى صناعة العرض وإدارة المؤسسات التي ترعى الفن. من الخشبة إلى إدارة المشهد تولى سنادة عدداً من المواقع الإدارية المهمة، بينها إدارة المسرح القومي السوداني، ومساعدة مسجل المعهد العالي للموسيقى والمسرح، وإدارة الفنون المسرحية والاستعراضية، وإدارة العلاقات الثقافية الخارجية بمصلحة الثقافة، ثم إدارة مصلحة الثقافة، إلى جانب عودته لإدارة المسرح القومي لسنوات طويلة. ولم تكن الإدارة بالنسبة إليه وظيفة مكتبية منفصلة عن الفن، بل امتداداً لمشروعه الإبداعي. فقد أسس عام 1976 الفرقة القومية للتمثيل وفرقة العرائس، وأسهم في رعاية مواهب ووجوه مسرحية عديدة، كما ارتبط اسمه بتأسيس «أيام الخرطوم المسرحية»، أحد أبرز المواعيد التي عرفتها الحركة المسرحية السودانية. وعلى الخشبة، شارك سنادة في نحو 47 مسرحية بين عامي 1967 و2005، تنقل خلالها بين التمثيل والإخراج وتصميم الديكور والأزياء والإضاءة. ومن أعماله «المك نمر»، و«سنار المحروسة»، و«إبليس»، و«على عينك يا تاجر»، كما أخرج وصمم أعمالاً مثل «المنضرة»، و«خطوبة سهير»، و«نبتة حبيبتي»، و«الخفافيش»، و«هذا لا يكون»، و«تلك النظرة»، و«سفر الجفا» و«الدهباية». صوتٌ آخر في ذاكرة الإذاعة إذا كان المسرح هو المساحة الأوسع في تجربة مكي سنادة، فإن الإذاعة كانت واحدة من أكثر محطاته رسوخاً في وجدان السودانيين. شارك في أكثر من ستين مسلسلاً إذاعياً، وقدم شخصيات ظلت مرتبطة بذاكرة المستمع، من بينها دوره في مسلسل «المستعمرة». وشارك في أعمال مثل «رسائل الحياة»، و«خطوبة سهير»، و«الحراز والمطر»، و«قلوب من خشب»، و«المنضرة»، و«حكاية نادية»، و«الخروج من النهر»، و«حكاية تحت الشمس السخنة». كما خاض تجربة التأليف الدرامي الإذاعي عبر «بدون رتوش»، الذي تولى كتابته وإخراجه. حضور أمام الكاميرا لم يكن التلفزيون بعيداً عن تجربته، وإن ظل المسرح والإذاعة أكثر التصاقاً بمسيرته. بدأ من «محكمة المجتمع»، ثم شارك في أعمال تلفزيونية بينها «الدلالية»، و«صرخة في وادي الصمت»، و«اللواء الأبيض»، و«قبل الشروق»، إلى جانب أعمال أخرى مثل «الدخان» و«ظلال من الشك» و«مات الدش» و«ليلة رهيبة». وفي السينما كتب سيناريو وحوار فيلم «بركة الشيخ» وشارك في بطولته، كما ظهر في أعمال تلفزيونية سينمائية بينها «موت ضيف» و«نخلة ودماء». واتسع حضوره إلى الدراما العربية، فشارك في «رايات الحق» مجسداً شخصية بلال بن رباح، وفي «قمر بني هاشم» في دور أبرهة الحبشي. فنان تجاوز حدود المكان لم يتوقف حضور مكي سنادة عند السودان؛ فقد شارك في مهرجانات ومؤتمرات ثقافية ومسرحية في الجزائر وألمانيا وتونس والولايات المتحدة وبريطانيا والعراق ومصر والإمارات والأردن وسلطنة عُمان، ممثلاً للسودان أو ضيف شرف أو مشاركاً في لجان التحكيم والأوراق العلمية. وتكشف هذه المشاركات عن جانب آخر من تجربته؛ فالرجل لم يتعامل مع المسرح باعتباره نشاطاً محلياً، وإنما كأداة للحوار الثقافي ومعرفة العالم وتقديم السودان من خلال فنه ومبدعيه. الإنسان خلف الفنان ربما يكون الجانب الأكثر هدوءاً في شخصية مكي سنادة هو ذلك الذي لا يظهر على الخشبة. فقد ارتبط اسمه، وفق شهادات وتجارب زملائه، بمساندة الفنانين والوقوف إلى جانبهم في تفاصيل حياتهم، من السكن والعلاج إلى معالجة بعض أزماتهم بعيداً عن الأضواء. كما شارك في لجان بحث ودراسة للدراما الإذاعية والتلفزيونية، بينها لجنة برئاسة البروفيسور علي المك، وظل قريباً من قضايا تطوير الدراما وتأصيلها. لهذا لا تبدو سيرة مكي سنادة مجرد قائمة من المناصب والأعمال والمهرجانات؛ إنها صورة لجيل كان يرى في الثقافة مشروعاً لبناء الإنسان والمؤسسة معاً. فمكي سنادة لم يكتفِ بأن يكون ممثلاً في المسرح السوداني، بل كان واحداً ممن اشتغلوا على المسرح من داخله وخارجه: كتب، وأخرج، ومثّل، وصمم، وأدار، ودرّب، وساند، وفتح الطريق أمام آخرين. وحين تُستعاد ذاكرة الدراما السودانية الحديثة، يصعب تجاوز اسمه؛ ليس لأنه كان حاضراً في عدد كبير من الأعمال فحسب، وإنما لأنه كان جزءاً من البنية التي صنعت تلك الذاكرة، ومن الرجال الذين لم يتركوا أثراً على الخشبة وحدها، بل تركوا أثراً في المؤسسة والأجيال والحكاية السودانية نفسها.