“في زمن الخداع العالمي، يصبح قول الحقيقة عملاً ثورياً”.

محمد بدوي مصطفى

– جورج أورويل
على حدّ قول المثل: “من نسي عادته، قلّت سعادته”، فعادةً، يا سادتي، لا أميل إلى الكتابة في السياسة، لا سيما السياسة العربية، لأنها لا تكفّ عن التغيّر يوماً بعد يوم، بل من ساعة إلى أخرى، دون أدنى مبالغة، حتى يكاد الكاتب يفقد الشغف والمتعة في ملاحقة أحداثها، أو الإمساك بخيطها قبل أن يفلت من جديد. ولعل هذا ما جعلني أؤمن، منذ زمن بعيد، بأن الأدب أبقى أثراً من السياسة؛ فالروايات والقصائد تعيش عقوداً، وربما قروناً، بينما تتحول التصريحات الرسمية والبيانات السياسية، مهما علت نبرتها، إلى أوراق صفراء في الأرشيف، لا يستعيدها إلا الباحثون في التاريخ. فالسياسة، في كثير من الأحيان، ابنة اللحظة، أما الكلمة الحرة فهي ابنة الزمن.

ولطالما خُيّل إليّ أن السياسة، في عالمنا العربي على وجه الخصوص، تشبه صبية فائقة الجمال، مدللة إلى حد الإفراط، لا تستقر على حال؛ تبتسم في الصباح، وتغضب عند الظهيرة، وتبدّل مزاجها كما تبدّل مكياجها قبل أن يحلّ المساء. تُغري الجميع بالاقتراب منها، لكنها نادراً ما تمنح أحداً يقيناً دائماً. أما الأدب، فلا يعرف هذا التقلّب؛ فهو أكثر صبراً، وأطول نفساً، لأن الحقيقة الكامنة فيه لا تُقاس بسرعة الخبر، بل بقدرتها على الصمود أمام الزمن.

ومع ذلك، دفعتني بطولة كأس العالم هذا العام، على غير عادتي، إلى الاقتراب من تخوم السياسة. فكلما اقتربت البطولة من إسدال الستار، ازدادت قناعتي، يا سادتي، بأن الفصل بين كرة القدم والسياسة الدولية لم يعد ممكناً كما كان في الماضي. فما يجري، وما جرى، داخل المستطيل الأخضر في كندا والولايات المتحدة والمكسيك، لم يعد منفصلاً عما يدور خارجه، بل أصبح امتداداً له بكل جدارة.

فوا أسفاه، لم تعد الملاعب مجرد ساحات للتنافس الرياضي الشريف، بل غدت مسارح ضارية تعكس ملامح عالم مضطرب، تتقاطع فيه المصالح، وتتصارع فيه القوى، وتنعكس على مدرجاته وأسواره وأساليب تنظيمه قضايا بالغة الأهمية، مثل الهجرة، والحدود، والهوية، والاقتصاد، وحتى العدالة التي غدت سيدة خجولة في ثوب العزوف. وأصبح واضحاً لكل فرد منا أن كرة القدم، التي أحببناها حتى كادت تبلغ حد القداسة، والتي وُلدت يوماً لعبة للفقراء وأبناء الأحياء الشعبية، تحولت إلى نافذة نطل منها على التحولات الكبرى في السياسة والاقتصاد والمجتمع، حتى باتت البطولة نفسها أشبه بمرآة يرى العالم فيها صورته القاتمة بكل تناقضاتها، أكثر مما يرى مجرد مباراة بين فريقين يتنافسان على كأس. ولعل الولايات المتحدة، بوصفها إحدى الدول المستضيفة وصاحبة الثقل السياسي الأكبر في العالم، قدمت لنا، خلال الأسابيع الستة الماضية، المثال الأوضح على هذا التشابك الوثيق بين الرياضة والسياسة، وبين تصنيف البشر إلى “درجة أولى” و”درجة عاشرة”. فمنذ انطلاق البطولة، بدا أن هذه اللعبة لم تعد تُدار بمنطق الرياضة وحدها، بل أصبحت جزءاً من مشهد أوسع تتداخل فيه القوة الناعمة، وحسابات النفوذ، وصناعة الصورة السياسية، وقضايا الاقتصاد والثراء الفاحش. دعونا، للحظة، نتخيّل، يا سادتي، ماذا لو دخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب مباراة وحيداً في مواجهة أحد أعظم منتخبات العالم؟ والله، لما احتاج إلى أحد يسانده. ففي هذا المشهد الكاريكاتوري، يكفي أن يرفع جياني إنفانتينو سبابته، حتى تتطاير البطاقات الحمراء في وجوه لاعبي الفريق المنافس، واحداً تلو الآخر، حتى يبقى ترامب وحده في الملعب، فيُتوّج بطلاً، لا لأن المستديرة قالت كلمتها، بل لأن النفوذ سبق صافرة الحكم.

لم تُسدل الستارة بعد. فما زال النهائي بين الدولة المستعمِرة إسبانيا والمستعمَرة الأرجنتين ينتظر صافرة بداية حرب كروية لم يرَ العالم مثلها من قبل، وسيرفع أحد الفريقين الكأس في نهاية المطاف. لكن، أياً يكن البطل الذي سيعتلي منصة التتويج، فإن السؤال الحقيقي سيظل معلقاً فوق المدرجات، وأبعد من حدود المستطيل الأخضر: هل ما زالت كرة القدم احتفالاً بالشعوب وباللعبة الجميلة، أم أنها أصبحت، هي الأخرى، إحدى أدوات القوة الناعمة في عالم تتشابك فيه السياسة والاقتصاد والإعلام والمحسوبية؟

قد تنتهي المباراة، ويحتفل الملايين ببطل جديد، غير أن العالم لن يستيقظ في صباح اليوم التالي وقد وضعت الحروب أوزارها، أو خفتت الصراعات التي تمزق قلب الجغرافيا ونفس الإنسان. ستبقى غزة تنزف، وسيظل لبنان والسودان يواجهان أزماتهما، وستستمر التوترات الإقليمية، بضريبة لعبور مضيق هرمز أو من دونها، فكلام الليل يمحوه النهار. كما سيبقى التنافس بين القوى الكبرى يجسد، بلوحة من لوحات فان غوخ، ملامح النظام الدولي الجديد، أو لنقل: اللانظام الدولي. وفي ظل هذه المعمعة كلها، لم تعد الرياضة بمنأى عن السياسة، بل غدت، في كثير من الأحيان، إحدى ساحاتها الأكثر تأثيراً، بلا منازع.

وأغلب الظن أن هذا هو أكثر ما دفعني، على غير شغفي وإرادتي، إلى الاقتراب من التحولات الجيورياضية. ليس لأنني ابتغيتها، بل لأن كرة القدم نفسها دفعتني إليها. فما رأيناه في هذه البطولة يؤكد أن اللعبة التي وُلدت لتقريب بني البشر أصبحت، هي الأخرى، تعكس تناقضات العالم، وتكشف اختلال موازين القوة فيه، بقدر ما تقدم المتعة فوق المستطيل الأخضر.

ودعوني، في نهاية المطاف، أطرح السؤال الذي سيبقى بعد انطفاء أضواء الملاعب: إنه لا يتعلق فقط بمن حمل الكأس الذهبية، بل بمن نجح في جعل الرياضة امتداداً للنفوذ السياسي والاقتصادي. فالكؤوس تُرفع، ثم تدخل المتاحف، أما الأفكار التي تدافع عن الإنسانية والعدالة والكرامة فتبقى حيّة، لأنها لا تُقاس بعدد الأهداف، بل بقدرتها على مقاومة النسيان.

Exit mobile version