في انتظار “جثة” البنك المركزي: *كيف تُدار الحرب الخفية ضد السياسات النقدية؟
Mazin
فيما ارى
عادل الباز
1.
صراع الإرادات: البنك المركزي ومراكز القوى الاقتصادية
لم تكن الإجراءات النقدية الأخيرة التي اتخذها بنك السودان مجرد حزمة من القرارات الإدارية العابرة، بل كانت إعلانًا صريحًا عن بدء مواجهة حتمية مع مراكز قوى رسخت أقدامها طويلًا في مفاصل الاقتصاد. إن هذا الصراع لا يدور حول أرقام سعر الصرف فحسب، بل هو معركة إرادات بين دولة تحاول استعادة سيادتها على مواردها، وبين تحالفات “مافيوية” لا ترى في الاقتصاد إلا غنيمة، وهو ما يجعلنا أمام اختبار حقيقي لمستقبل السياسات النقدية وقدرتها على الصمود أمام إغراءات الفوضى.
2.
تحالف المافيات وتأثير السياسات الجديدة
حين بدأ بنك السودان إجراءاته الجديدة الخاصة بسعر الصرف، أدركت أن الحرب عليه ستبدأ فورًا حال نجاح تلك السياسات والإجراءات؛ والسبب أن تلك الإجراءات تتقاطع في منطقة مصالح ثلاث مافيات لا ترحم: مافيا النفط، ومافيا البنوك، ومافيا الذهب، وهم الذين تعنيهم تلك الإجراءات مباشرة وتتأثر مصالحهم بها. صدق توقعي؛ فلقد تحرك تحالف المافيات بسرعة لإفساد تلك السياسات، وخاصة بعد نجاحها المضطرد في السيطرة على سعر الصرف، بحيث لم يثبت فقط، بل تراجع إلى ما دون السعر 4500 الذي سبق الإجراءات مباشرة، ليصل إلى 4300 اليوم.
3.
آليات البنك المركزي لفرض السيطرة
ولكن قبل أن ننظر فيما فعلته المافيات، هناك سؤال يستحق الإجابة، وهو: كيف استطاع بنك السودان فرض السيطرة على سعر الصرف، ومن أين له الأموال التي يضخها يوميًا للبنوك؟
من خلال الإجراءات والسياسات الذكية، استطاع بنك السودان إغلاق المنافذ، فأغلق باب استيراد النفط لكل من هب ودب بفرض شروط تأهيل المستوردين (200 كيلو ذهب)، إضافة إلى إلغاء أذونات الاستيراد التي كانت تفتح باب الفساد واسعًا، ثم عمد إلى شراء الذهب بسعر البورصة العالمية. الخطوة الأهم هي تحديد أسعار بيع مشتقات النفط للمستهلكين، مع أنه لا تزال وزارة النفط والطاقة تتلكأ في إعلان السعر. ترافق ذلك مع ضخ يومي لمئات الآلاف من الدراهم والدولارات للبنوك السودانية حتى بلغت، حتى أمس، مليار درهم خلال اثني عشر يومًا منذ بداية الضخ.
4.
مصادر تمويل البنك المركزي
السؤال المهم
من أين لبنك السودان هذه المليارات؟ مؤكد أن تسييل احتياطيات البنك من الذهب الذي كان يتم شراؤه يوميًا من الشركات، إضافة إلى وارد الذهب اليومي من الأسواق، والذي تساهم في شرائه للبنوك شركات حكومية وقطاع خاص، هو مصدر 95% من الموارد التي توفرت لبنك السودان، ومنها استطاع أن يغذي البنوك بالعملات الصعبة التي يحتاجها المستوردون. والغريب أن بعض البنوك لم تطلب من بنك السودان أي مبالغ لاستيراد العملة لعملائها، والسبب أنها لها حصائل صادر مخزنة وموجودة لديها.
5.
رد فعل مافيا النفط محاولات الإفشال
هذه الإجراءات والسياسات عطلت مصالح المافيات بل نسفتها، فكان لا بد لها أن تتحرك منفردة ومجتمعة ومنسقة في حالات كثيرة. نبدأ بمافيا النفط؛ ماذا كان رد فعلها؟ عملت على إفشال سياسة البنك في موضوع تأهيل الشركات؛ إذ اعتبروا أن 200 كيلو ذهب لا مبرر لها وكثيرة، ولكن تستطيع الشركات توفيرها، وبالتالي سيتوقف استيراد النفط وتدخل البلاد في أزمة، فترجع الحكومة عن تلك السياسة وتعود حليمة لعادتها القديمة، وهي النهب المسلح المغطى بالتربح غير المشروع (الباخرة الواحدة تربح 8 ملايين دولار). وبالفعل امتنعت شركات كثيرة؛ فمن جملة 45 شركة مسجلة كشركات مؤهلة تأهيلًا فنيًا وماليًا لدى وزارة النفط والطاقة، لم تتقدم إلا ست شركات لتلبي شرط التأهل المالي الذي أعلنه بنك السودان (200 كيلو ذهب). كان يمكن لتلك الشركات أن تشكل تحالفات بينها ليتوفر لها الحجم المطلوب من الذهب، ولكنهم لم يفعلوا لأن الغرض هو إفشال السياسات وليست إيجاد حلول أو عمل جاد بالدرب العديل. ولكن المفاجأة أن السياسات استمرت ونجحت في الصمود حتى الآن؛ فهناك مخاطر من نقص في الإمدادات إذ إنه الآن تقف صف من 10 بواخر في انتظار التفريغ. ولو كانت وزارة النفط والطاقة تقرأ السوق جيدًا لسارعت في التصديق للشركات المؤهلة بالاستيراد فورًا حين أصبح سعر الباخرة 20 مليون دولار خلال الثلاثة أسابيع الماضية، ولكن وزارة النفط لم تفعل، لتتصاعد الآن الأسعار مرة أخرى بعد تصريحات ترامب بإلغاء اتفاق التفاهمات مع إيران؛ لتشتعل أسعار النفط مرة أخرى ليصل إلى 80 مليونًا للباخرة الواحدة الآن، وهو ما يجعل من هذه المتغيرات العالمية اختبارًا حقيقيًا لمدى صمود الإجراءات الجديدة. غفر الله لوزير النفط والطاقة؛ إن غياب التناغم بين البنك المركزي كصانع سياسة نقدية ووزارة النفط كمنفذ للإجراءات الفنية يخلق فجوة تتسلل منها المافيات، مما يحول المعركة من مواجهة اقتصادية إلى صراع بيروقراطي يدفع ثمنه المواطن.
6.
موقف مافيا المصارف
ماذا فعلت مافيا المصارف؟ تفاعلت أغلب البنوك بصورة ممتازة مع السياسات والإجراءات الجديدة، ولبت كل طلبات عملائها من العملات الصعبة، ولكن أعضاء مافيا البنوك وهي محدودة، لم تطلب حتى عملات صعبة، وهي التي كانت تشكو لطوب الأرض من شح العملات الصعبة لديها، وإذا بها تكتشف أن لديها حصائل صادر كافية لطلبات عملائها، وليست بحاجة للآلاف التي يضخها بنك السودان، وهي الآن تشكو من تضررها من أنها لا تربح من توفير العملات الصعبة لعملائها وتعمل مجانًا. تقريبًا هي متوقفة عن التمويل الآن، وتحتفظ بحصائل صادراتها بانتظار أن تفشل سياسة بنك السودان، ويراهنون أن بنك السودان ليس بمقدوره الاستمرار في ضخ العملات الصعبة بهذا المستوى لفترة طويلة، لتعود المافيا لممارسة تجارة العملة الداخلية بواسطة الحصائل التي تتحكم فيها، ومن ثم يتصاعد سعر الصرف وتتضاعف أرباحها على حساب الشعب المسكين.
7.
استراتيجية مافيا الذهب
ماذا فعلت مافيا الذهب؟بالطبع هي مرتبطة بل متحالفة مع المافيتين السابقتين، ولكن لها طريقتها الخاصة. هذه تحاول إفشال سياسات بنك السودان لأنها لا تخسرها فقط، بل تدمرها تمامًا؛ إذ تساهم في خسارتها في تجارة العملة، وكذلك توقف مصالحها في بيع الحصائل لمافيا النفط التي تشتري منها تلك الحصائل بأسعار مجزية. بناءً على ذلك، أعلنت الحرب على بنك السودان؛ فأصبحت تشتري الذهب بأسعار أعلى من الأسعار التي يشتري بها بنك السودان، بل بأعلى من أسعار البورصة العالمية ليتوقف بنك السودان عن الشراء، وبذلك تقل مقدرته على توفير عملات صعبة للمصارف، مما يدفع بنك السودان لتغيير سياساته، ويترك للشركات الشراء مرة أخرى من البنوك. بالطبع تسبب هذه الخطوة خسائر لأعضاء مافيا الذهب، ولكنهم يقولون إنها مؤقتة ومرجوة بإذن الله؛ قليل من الصبر ونفشل إجراءات بنك السودان، وهم الآن بانتظار جثته على الضفة الأخرى من النهر.
8.
مستقبل الإصلاح الاقتصادي
أمام هذا المشهد، يبرز دور الراى العام الذى يدرك أن هذه الإجراءات -هي السبيل لكسر هيمنة المافيات. إن معركة الإصلاح الاقتصادي هذه ليست مجرد أرقام ومؤشرات نقدية، بل هي صراع إرادات بين دولة تسعى لاستعادة عافيتها وبين مراكز قوى تقتات على الفوضى. إن صمود السياسات النقدية يتطلب اليوم أكثر من أي وقت مضى تلاحمًا مؤسسيًا يغلق الثغرات أمام المتربصين، ووعيًا وطنيًا يدرك أن كسر شوكة هذه المافيات هو استحقاق لا يقبل المساومة. إن انهيار هذه التجربة -لا قدر الله- لا يعني فقط فشل البنك المركزي، بل يعني عودة البلاد إلى دوامة الفوضى التي ستجعل المواطن رهينة لمصالح لا تعرف إلا الربح والمكاسب على حساب اى شى.