فيما ارى
عادل الباز
١
لماذا كلما باعوا أو اشتروا عمدوا إلى الأرخص؟ حيروني والله. لقد استلهموا من الكفيل شحَّ نفسه، والقرين بالمقارنة يقترن.
حين استُشهد مئات من الثوار الشباب في قارعة يوم فض الاعتصام، هرول قادة «قحت» لا لأخذ ثأر رفاقهم، بل لتوثيق شراكتهم مع العسكر. هرولوا نحو الكراسي ودماء رفاقهم لم تجف بعد.
ذات العسكر الذين اتهموهم بقتل الرفاق، باعوا لهم دماء الشهداء رخيصة مقابل كراسي زائلة. باعوهم بثمن بخس، وكانوا فيهم أحياءً وأمواتًا من الزاهدين. تركوا جثثهم تتعفن في المشارح، تركوا المجرم المعلوم حليفهم اليوم ينفذ بجريمته عاريًا. قايضوا الدم بالكراسي، باعوا الأرواح بالصولجان، ولكن لأن الله لا يهدي كيد الخائبين لدماء رفاقهم، لم يلبثوا إلا قليلاً حتى اهتزت الكراسي من تحتهم فجزعوا وهبوا مذعورين، ثم تآمروا مع قاتل الرفاق ليشعلوا النار التي هددوا بها فالتهمتهم جزاءً وفاقًا لخيانة رفاقهم ووطنهم، وباعوا كل شيء رخيصًا في بازارات ضمائرهم المنعدمة.
حين أوقدوا نار الحرب لم يصمدوا لخوضها كرجال يدافعون عن أعراضهم التي تركوها مكشوفة للجنجويد يغتصبون أخواتهم وأمهاتهم، هرولوا إلى أحضان الكفيل فاشتراهم كعادته بثمن بخس: شقق وإقامات ذهبية وشوية دراهم لا تُسمن ولا تُغني من جوع. باعوا رفاقهم أولاً ثم وطنهم ثانيًا وأهلهم، ثم أخيرًا باعوا أنفسهم، كل ذلك بثمن بخس يليق بهم. وليس في الأمر عجب، الغريب أنهم فعلوا ذلك علنًا ولم يستحوا، وكان الموت أولى بهم من ركوب العار.
٢
وكأن مسرح الخيانة لا يكتمل إلا بمن باع من الداخل، ومن اشترى من الخارج، أو تآمر.
فبعد أن بيعت الدماء مقابل الكراسي في أروقة الخرطوم والأقاليم، جاء الدور على من يريد أن يشتري ما تبقى من الجثث والأرض والكرامة بأرخص الأثمان المعروضة في سوق النفوذ الإقليمي.
بالأمس جاء في الأنباء نهاية الأسبوع الماضي أن إمارة أبوظبي قد تعهدت بالتبرع للإغاثة الإنسانية في السودان بمبلغ 500 مليون دولار. جاء ذلك في مؤتمر بواشنطن عقد قبل ثلاثة أيام والذي لم تتعهد فيه دولة أخرى سوى الولايات المتحدة بمبلغ مضحك (200 مليون دولار)، وذلك لمجابهة أسوأ أزمة إنسانية في العالم!! بالله شوف.
الآن يأتي دور الشاري الخارجي… يحاول أن يشتري بالرخيص ما بيع بالأبخس.
ما يهمنا هنا أن الإمارات، بمثل ما باعنا عملاؤها رخيصًا، هاهي الآن تحاول أن تشترينا بالرخيص. 500 مليون دولار بعد كل هذه الدماء؟ خمسمائة مليون ثمن ماذا؟ ثمن بلادنا التي دُمّرت ونُهِبت؟
بالأمس في صحيفة إيلاف الاقتصادية قال معاوية البرير إن خسائر القطاع الصناعي وحده بلغت 50 مليار دولار، وخسائر القطاع الزراعي التي رُصدت حتى الآن 30 مليار دولار!! تقول لي خمسمائة مليون دولار، 500 مليون دولار بتاعت عقالك؟!
لم تكن هذه المرة الأولى. فقد سبق أن تبرعت الإمارات بمبالغ تافهة في أزمات سابقة وهاهى تأتي اليوم لتُقدَّم المساعدات الإنسانية بنفس اليد التي ساعدت في صناعة الكارثة الإنسانية وبإلحاح.
هل تساوي تلك الأرقام التافهة ثمن أعراض نسائنا التي انتُهِكت واغتُصِبت؟ بالطبع لا يمكن أن تكون ثمن تشريد 30 مليون سوداني؟ ثمن ماذا يا تُرى؟ قولوا لنا يا سادة الإمارات ثمن ماذا؟ ثم للإغاثة؟ إغاثة من؟ من يريد أو طالب إغاثتكم المسمومة؟ من يستمتع بأكل معجون بدماء الأبرياء الذي أبادته أسلحتكم في الجنينة ونيالا والفاشر وود النورة؟ من يأكل لحم إخوته؟
إنّ قصة البيع و«الشراء الرخيص» هي مرآة صادقة لحجم الخيانة التي تُدار في مسرح السودان، خيانة مزدوجة الأوجه؛ تبدأ ببيع الدم والوطن بأبخس الأثمان من أجل الكراسي، وتُستكمل بمحاولة شراء ما تبقى من كرامة وإنسانية في بازارات العطاء المسموم.
ومن باع دماء إخوانه بثمن بخس، ومن حاول شراء ما تبقى من كرامتهم بمبالغ تافهة، سيجد يومًا أن السوق قد أغلق أبوابه، وأن الأحرار لا يُباعون ولا يُشترون، مهما كان العرض مغريًا، فهي أشياء لا تُباع ولا تُشترى.
والمكتوون بنار الخيانة دفعوا وسيدفعون الثمن غاليًا، لكنهم سيكتبون فصلًا جديدًا لن تُشترى نهايته بـ«الرخيص» أبدًا.