فلاش باك :أحمد الشايقي ..و حُلمي المَوْءُود ..

حسن فضل المولى

كان الأخ ( جمال الوالي ) ، في كل ( حَجة ) ، يستأجر ( طائرة ) تحمل

طيفاً من معارفه ، و ذوي مودته ،

و بعضاً ممن يعجزهم الحج بتكاليفه

الباهظة ، و نفراً ممن لم تسمح

لهم ظروف عملهم بالذهاب مبكرين ،

إذ أن الترتيب كان يقوم على مغادرة

الطائرة إلى ( مكة ) قبل يوم من الوقوف بعرفة وهو ( يوم التروية ) ..

و قدَّر الله لي مرة أن أكون في زمرة

الذين يسر الله لهم الحج في ذلك

العام ..

و نحن في ( صالة ) الإنتظار إنضم

إلينا ( شخصٌ ) تكسوه هالةٌ من ( البساطة ) اللافتة ،

و كان بادي النشاط و الاغتباط ،

و تعلو وجهه بشاشةٌ تُحبِبُ فيه ..

و لأول وهلة ، و من هيأته و حديثه ،

تنسبه إلى فئات ( الترابلة ) ،

أو ( الصنايعية ) ،

و أولئك الذين يقتاتون من كدِّ

أيديهم ..

و بالرغم من أني لاحظت أن ( ثلاثةً ) قد أقبلو عليه ،

محتفين به و مرحبين و مُستأنسين ،

إلا أن أغلب من كانوا هناك تجاوزته أنظارُهم إلى غيره ،

فالرجل لم يكن معروفاً لديهم ..

و فيما يبدو لهم ،

فهو ليس من ذوي المناصب

و الرتب ، الذين يتخذون من الشارات

و الإشارات ما يشير إليهم ،

و هو ليس من أهل المال و الأعمال ، فكثير من هؤلاء تأبى دراهمهم إلا

أن تمد أعناقها و ألسنتها ،

و هو ليس من مرتادي ( المنابر ) ،

و العالقين في ( الشاشات ) ،

و المتصدرين ( للصحائف ) ..

سألني من كان إلى جانبي :

عرفت ده منو ؟ ..

لا ما عرفتو ..

أحمد الشايقي مدير شركة زادنا ..

بالله ده مدير زادنا !!!

و كانت ( زادنا ) يومها ملء السمع

و البصر ، و يسير بسيرتها الركبان ،

و بالرغم من ذلك فإن القائم على

أمرها قد جعل بينه و بين الأضواء حجاباً غليظاً ..

و مضينا في رحلتنا المباركة ..

و في مرةٍ ، و قد التأمْنَّا في نقاش

حول ( الزراعة ) ، و ضرورة التعويل

عليها في ( السودان ) ، أبديت تعلقي منذ الصغر ( بالزراعة ) لنشأتي في

بيئةٍ تأكل مما تزرع ..

و لما رأى مني ( أحمد الشايقي ) ،

هذا الاهتمام ، و الذي جاء عفواً

دون قصد ، و عدني ( بحوَّاشة ) ..

و يومها اعتراني فرحٌ عاصفٌ ،

و حدثتني نفسي بأن هذا ( الوعد )

لعله من بشريات هذه ( الحجة ) ..

و أخيراً سأغادر هذه ( المهنة الحرون ) ، كما و صفها الأستاذ ( المسلمي الكباشي ) ،

و أُصبِحُ من الفلاَّحين الفالِحين ..

و شرعت أنسج الأحلام ،

و امتطي الأماني العذبة على

جناح وعد ( أحمد الشايقي ) ..

و بعد أشهر تسوقني خطاي ، رفقة

صديق ، إلى ( مشتل زادنا بالكدرو ) ،

لتطوير القطاع البستاني ، حيث

وجدنا هناك ( أحمد الشايقي ) ،

في ( عرينه ) ، يصنع المستقبل ..

ففي مساحة شاسعة تبلغ

( خمسين هكتاراً ) ، نشأت

عشرات ( البيوت المحمية ) ،

و ( المشاتل ) ، التي تبدو كجنانٍ زاهيةٍ ، يأخذ بعضُها برقاب بعض ، لتضم كل وحدة ملايين ( الشتول )

و ( الفسائل ) ،

هناك ( المانجو ) بألوانها ، و مذاقاتها ،

و أحبها إلى نفسي ( منقة شندي ) ..

و ( التمور ) بأنواعها ..

و ( الموالح ) بأشكالها ..

و ( الأعناب ) بذاتها و صفاتها ..

و الخُضر ، حلوها و مرها ..

و ( الجوَّافة ) الحبيبة ..

و ( الموز ) الحنين ، الذي يجعلك

تردد مع الكابلي :

( الموز رَوَى

قايِم سَوَا

فاطرِك ضوى

ياناس بالنار أنا جسمي انشوى ) ..

نعم ،

زروع ، في زروع ، على زروع أنَّى سرت

و أنَّى تلفتّ ..

و أنت هناك فكأنّ كل ( شتلة ) ،

و كل ( فسيلة ) ،

و كل قطرة ندى ،

تُحدِّث عن العزيمة و الإتقان و التجرد ، واستفراغ الوسع في استخدام أحدث التقانات ، و توظيف و تأهيل أفضل الكوادر ، فأيقنت عندها أن فجر ( السودان ) ، كسلة للغذاء ، سيطلع من هاتيك المجالي ..

هذا الصرح البستاني ، و الذي أحيا

( مئات الألوف ) إلى ( ملايين) الأفدنة

التي أزهرت و أثمرت في أرجاء ( السودان ) ،

هو واحد من من منارات ( زادنا ) المشرقة ..

فهناك زادنا للطرق و الجسور ،

و زادنا للري و الحفريات ،

و زادنا للإنشاءات ،

و زادنا … ،

و زادنا لكل فعلٍ عظيم ..

لتغدو ( زادنا ) بذلك ، أكبر مطور

و منشىء ، و منفذ للمشاريع الاستراتيجية التي يحتاجها ( السودان ) ..

و إذ تطال ( زادنا ) هذه الأعالي ،

فإنه بعد توفيق الله و تسديده ،

ثم بذل جنود مجهولين ،

يتجلى نهج ( أحمد الشايقي ) ،

في القيادة ،

و هو نهج قوامه أن يؤدِي ما عليه ،

بكلِ مالديه ،

من قوةٍ ،

و أمانةٍ ،

و تواضعٍ ،

و نكران ذات ،

و تجافي عن ( المجاملات ) ..

و أما أنه لا يجامل فأنا أشهد ،

إذ أنني ، و بعد ثلاثة أعوام من لقائنا الأول ، و في لقاء عابر ، وبعد تردد ،

( قلت أشوف معاهو موضو حواشتي ) و الذي ظل يؤرقني ..

فأبديت له يومها استعدادي للوفاء

بما هو مطلوب ، ظناً مني بأن الأمر

في متناول استطاعتي ، فما كان منه

إلا أن عرض عليّ (…..) فداناً في

مشروعٍ ما ، مقابل أن أسدد ( لزادنا )

( مبلغاً ) أصابني بالدوار و ( القُنُع ) ،

و مضى لسبيله ..

و مضيت أنا لسبيلي و لسان حالي :

( ضاعت الحواشة مني

و انطوت في القلب حسرة

و أطلقت روحي من الآهات ما كان سجيناً ) ..

و لكني في حقيقة الأمر ،

و إن كنت يومها أُمنِّي النفسَ بحلم صغيرٍ ، و هو ،

( حواشة صغيرة كفاية عليَّ ) ،

فإذا بي أقف على مشروع يسع كل أحلامنا نحن ( بني السودان ) ،

فازدريت حُلمي الصغير إزاء هذا

الفتح الكبير و النضير ..

و سعدت باقترابي ، ولو من بعيد ،

من هذا ( الأحمد الشايقي ) ، الذي

طوَّع المستحيل ،

و جعل كل هذا النماء ،

و الثراء ،

و الرواء ممكناً يزحم الآفاق

و يُثلج الصدور ..

و الحمد لله رب العالمين ..

Exit mobile version